للعام الحادي عشر على التوالي، لا يزال الموقف الأمريكي من اليمن يحاكي ما يحدث فعليًا على أرض الواقع، لا سيما بعد أن تدخلت أمريكا بشكل مباشر وشنّت عدوانًا على الشعب اليمني في عهد الرئيس السابق الديمقراطي بايدن، وفي عهد الرئيس الحالي الجمهوري ترامب، مستخدمة أحدث ما تمتلكه من أسلحة متطورة باستثناء الأسلحة النووية. وهنا يطرح السؤال الكبير والمهم نفسه: ماذا تريد أمريكا من الشعب اليمني؟ ولماذا تقتله وتدمر بنيته التحتية وتحرض عليه أذيالها في المنطقة؟ صحيح أن الجواب على هذا السؤال قد يكون معقدًا وربما صعبًا، لكن من يتابع ما يشهده اليمن من أحداث مأساوية متسارعة تقف وراءها أمريكا، ومعها بريطانيا بكل ما أوتيتا من قوة، وكذلك إسرائيل، سيجد الإجابة بسهولة مطلقة. فالولايات المتحدةالأمريكية، كدولة عظمى تعتبر نفسها سيدة عالم اليوم، لم يسبق لشعب من الشعوب أن قال لها: «لا، ونرفض التدخل في الشؤون الداخلية لبلدنا» كما قالها الشعب اليمني بصوت عالٍ ومرتفع سمعه العالم بأسره، وهو ما اعتبرته الإدارة الأمريكية انتقاصًا في حقها، خصوصًا وهي تتعامل مع شعوب المنطقة المجاورة لليمن بتعالٍ وبطريقة توحي للآخرين بأن هذه الشعوب وحكامها مجرد إقطاعيات أمريكية، ليس مسموحًا لحكامها أن يعترضوا على شيء يقرره السيد الأمريكي، وليس عليهم إلا السمع والطاعة لتنفيذه، وإلا فالعقاب سيكون إزالة هذا الحاكم أو ذاك من على كرسيه المهزوز أصلًا، بدليل ترويضهم للوقوف مع إسرائيل ودعمها ضد القضية الفلسطينية. قد يقول البعض إن السعودية، ممثلة في قيادتها الحالية وملكها سلمان وابنه المتهور محمد، هي التي اعتدت على الشعب اليمني وشكلت هذا التحالف كله ضد اليمن، الذي دخلت فيه إمبراطورية السلاح ممثلة في أمريكاوبريطانيا وإسرائيل، وإمبراطورية المال ممثلة في السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأن الطائرات كانت تنطلق من أراضيها لقتل أبناء الشعب اليمني شيوخًا ونساءً وأطفالًا، وتدمير البنية التحتية تحت حجج ومبررات واهية لا يقبل بها عقل ولا منطق ولا يقرها شرع ولا عرف ولا حتى تقاليد. ونحن نقول: إذا ما سلمنا بوجهة النظر هذه، فمعنى ذلك أننا نقر بأن السعودية دولة – وهي ليست كذلك – ونعطيها حجمًا أكبر من حجمها، وأهمية ومكانة لا تستحقها؛ لأن السعودية أساسًا، والإمارات، هما مجرد إقطاعيات تديرها أمريكا، وحكامها لا يعدون كونهم تجار نفط، وليس لهم من الحكم شيء، بل ولا يملكون حتى أمرهم. إن السعودية ليست هي التي تقود الحرب ضد اليمن وتقرر مصيرها، ومن يعتقد غير ذلك فإنما يغالط نفسه ويحاول أن يعطي للنظام السعودي أهمية هو غير جدير بها، بدليل أن إعلان الحرب على اليمن يوم 26 مارس عام 2015م جاء على لسان السفير السعودي حينئذٍ عادل الجبير من واشنطن، وليس من الرياض. كما أن السفير الأمريكي لدى اليمن هو من كان يعطل أي تقارب، وما زلنا نتذكر كيف عطل مفاوضات جنيف، ومنع اليمنيين من التوصل إلى حل سياسي خشية أن يخرجوا عن الإرادة الأمريكية، وهدد بأنه سيجعل العملة اليمنية لا تساوي قيمة الحبر الذي طُبعت به، وقد حقق ما هدد به في المحافظاتالمحتلة. وأثبتت الأحداث خلال الأعوام الماضية من العدوان، التي لم تتوقف الحرب خلالها على اليمن وشعبه العظيم قبل حدوث الهدنة، أن السعودية والإمارات العربية ومن يتحالف معهما إرضاءً لأمريكا هم مجرد أدوات لتنفيذ الرغبة الأمريكية في قتل الشعب اليمني وتدمير بنيته التحتية، انتقامًا لموقفه الوطني، وبهدف تركيعه وإعادته إلى بيت الطاعة من جديد، كما كان عليه الحال في العقود الماضية، حيث كان السفير الأمريكي وربيبه السعودي هما المتحكمان في القرار السياسي اليمني، ولم يكن يقطع أي حاكم يمني سابق أمرًا إلا بعد مشاورتهما ورضاهما عن طبيعة القرار الذي سيتم اتخاذه، خاصة في عهد العميل المنحوس الفار عبد ربه منصور هادي، ومن بعده العميل رشاد العليمي، اللذين فتحا الباب على مصراعيه أمام التدخل الأمريكي والسعودي في الشأن الداخلي اليمني أكثر من ذي قبل، وجعلا من السفير الأمريكي الحاكم الفعلي لليمن، والسفير السعودي مندوبًا ساميًا يشرف على التنفيذ. وعندما اصطدمت الإدارة الأمريكية بالتوجه الجاد لليمنيين نحو بناء دولة وطنية حديثة، وبعد أن سدت كل السبل في وجه سفيرها للتدخل في الشأن اليمني، أوعزت إلى أدواتها في المنطقة لتشكيل تحالف شرير لشن عدوان على اليمن وشعبه العظيم، بهدف عودة الأمور إلى طبيعتها السابقة، بعد أن مهدت لعدوانها بشن حملة إعلامية شرسة أوحت من خلالها للبلهاء بأن إيران أصبحت هي التي تحكم اليمن، وأن اليمن صار يشكل خطرًا على دول المنطقة وعلى الأمن القومي العربي، ليجد هذا الخطاب أذنًا صاغية حتى في أروقة الجامعة العربية، بفضل شراء الذمم والضمائر بالأموال السعودية والإماراتية. وهو نفس السيناريو الذي اتبعته الإدارة الأمريكية عندما قامت بغزو واحتلال أفغانستانوالعراق؛ الأولى بحجة عدم تسليم أفغانستان لأسامة بن لادن المتهم بأنه وراء أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م في نيويوركوواشنطن، والثانية بحجة أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل قادرة على الوصول إلى بريطانيا خلال 48 دقيقة حسب تصريحات توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا آنذاك. ثم بعد الغزو والاحتلال اعترفوا بأنهم كانوا مخطئين، حيث لم يثبت أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وبن لادن تُرك يسرح ويمرح في أفغانستان أكثر من عشر سنوات بعد الاحتلال، ولم يتم القبض عليه إلا عندما قالوا إنهم قتلوه. وما حدث في فنزويلا من خطف لرئيسها، وتهديد كوباوإيران وكندا وغيرها من الدول، بما في ذلك دول حليفة لأمريكا في أوروبا، لا يخرج عن هذا الإطار الذي يخدم الغطرسة الأمريكية. وبالنسبة لافتراءاتهم على اليمن، وأنهم جاءوا إليه بعدوانهم لتحريره من إيران، يطلع علينا أكثر من مسؤول أمريكي ليؤكد في أحاديثه أنه لا توجد دلائل على تدخل إيراني في اليمن، ولكن بعد خراب مالطة. ومن يتأمل في الحروب التي شنتها الإدارة الأمريكية بتحالفاتها على البلدان الثلاثة: أفغانستانوالعراقواليمن، سيجد أن نتائجها كلها تصب في صالح إسرائيل وخدمتها بالدرجة الأولى، خصوصًا فيما يتعلق بالسيطرة المطلقة على مضيق باب المندب، وكذلك ما يحدث في سوريا. لكن من يقنع لنا أولئك الذين تم غسل أدمغتهم من قبل إعلام العدوان، وجُعل منهم بلا وعي، يصعب عليهم التفريق بين الحق والباطل؟