السفير السعدي يبحث مع مندوب سانت فنسنت مستجدات عملية السلام في اليمن    مصادر: مليشيا الحوثي تسيطر على "نجد العتيق" بعد معارك عنيفة مع الجيش الوطني    موقف شجاع وبيان قوي .. الخارجية اليمنية ترد على "إساءة" ماكرون للإسلام    واتساب يضيف 3 ميزات جديدة .. تعرف عليها    مصدر مسؤول في الحكومة الشرعية يعلق على ضاحي خلفان عقب نشره مقطع من احتفالات اليمنيين بالمولد النبوي    الصين تسجّل 20 إصابة جديدة بكورونا    الاولمبي اللبناني يخوض لقاء وديا امام النجمة    منافسات دوري الدرجة الاولى الاردني تنطلق غدا    باريس سان جيرمان يسعى لخطف نجم الانتر    فريق السلام يكتسح شعب العرب بهدفين مقابل هدف في بطولة الشهيد اليزيدي بيافع رصُد    "الزهري" يشرف على أعمال حملة البرش والكنس في شوراع مديرية خورمكسر    محلي خورمكسر يعقد اجتماعه الدوري بالمكاتب التنفيذية بالمديرية    صدور ديوان قمر ونافذة للشاعر الدكتور إبراهيم طلحة    مراقبون يرونه خطوة مهمة لإنهاء الحرب ...مليشيات الحوثي تعلن عن جاهزيتها لإتفاق تبادل أسرى جديد    الحكومة الشرعية: تعنت مليشيا الحوثي سيؤدي إلى حدوث كارثة تزيد من معاناة ملايين اليمنيين    سنقف مع شركة النفط بعدن في وجه الفساد والفاسدين    الجوازات السعودية: تأشيرة الخروج النهائي لا تعفي من المسؤولية في حالة واحدة    منظمة الصحة العالمية : لا يوجد حل سحري لفيروس كورونا    بدولة إسلامية.. إجبار شاب وفتاة على الزواج لخروجهما بعد غروب الشمس    طلاب اليمن في الخارج يواصلون وقفاتهم مطالبين بمستحقاتهم المالية    جامعة إب تمنح الباحث الكفيف أمين المؤيد درجة الماجستير في التأريخ الإسلامي    وسط تضارب الأنباء.. بريطانيا تكشف آخر المستجدات في تشكيل الحكومة الجديدة    امين رابطه العالم الاسلامي: الرسوم المسيئة للرسول "فقاعات" لا قيمة لها.. وهذا رد الفعل المثالي عليها!    العقربي يقدم منظومة كهرباء بالطاقة الشمسية لمكتب التربية في البريقة بعدن    الخطوة الثانية من مشوار الالف ميل .. لمحة من مرارة الحاضر !!    الوكيل بيبك: مشروع استكمال ملعب سيئون الأولمبي سيبدأ في ديسمبر المقبل    مجلس الشورى ينظم فعالية خطابية بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف    مهما بلغوا من الحقد والكراهية لن ينالوا منك يارسول الله .    بادي: المشاورات بين الحكومة والانتقالي تسير بشكل جيد    المشاركون في مؤتمر عدن الأول يدعون إلى إعداد إستراتيجية وطنية لقطاع البناء    ودياً .. فحمان وخنفر يتعادلان ضمن استعدادهم لدوري الدرجة الاولى والثانية    اشتداد المعارك في "صلب" و"نجد العتق" بجبهة "نهم" لليوم الثالث على التوالي وخسائر الحوثيين كبيرة    اكتشاف ضريح وبرج وتحصينات قديمة في شبه جزيرة القرم    تكريم الشركة الوطنية للأسمنت في اختتام مؤتمر عدن الأول للبناء والمقاولات    إصابة دوناروما حارس ميلان بفيروس كورونا    يسبون مذمما وهو محمد    انتحار نجم رياضي شهير جدا والكشف عن السبب الصادم    الكويت تقدم مشروعاتها الخيرية مجددا في حضرموت    وفاة قائد عسكري كبير بالجيش الوطني    إنهيار مستمر للريال اليمني أمام العملات الأجنبية مساء اليوم الإثنين.. آخر التحديثات في صنعاء وعدن وحضرموت    اعتراض طائرتين مسيرتين خلال ساعات.. والحوثيون: استهدفنا مطار أبها    البعث في العراق ينعي عزة ابراهيم الدوري: بأعلى قمم المجد    الشرعية تتهم الحوثيين بإفشال المساعي الدولية لتقييم وضع ناقلة صافر    محافظ عدن يفتتح مشروع جديد بتكلفة مليون و300 ألف دولار في العاصمة المؤقتة    مناقشة التدخلات التنموية لشركة كالفالي بوادي حضرموت    إصابات كورونا في السعودية تعاود الارتفاع ومئات حالات التعافي الجديدة و17 وفاة في حصيلة اليوم    إفتتاح فعاليات ملتقى الربيع النبوي برباط الفتح والإمداد    " 5 " أعشاب تتواجد في كل بيت يمني... تعالج الصداع والتهاب المفاصل والفيروسات    مدينة عدن والشر الخفي    عن الرسوم المسيئة لهم    فكري قاسم وزيرا للنقل (2)    4 اطعمة رخيصة الثمن تكسب اليمنيين مناعة فولاذية وتحميهم من هذا المرض الفتاك.. تعرف عليها    بسبب "عادل إمام".. الحزن يضرب عائلة "محمود ياسين" من جديد بعد أيام على وفاته    لا تهملوها.. هذه المشروبات تحميكم من امراض الكلى    مدير إعلام أبين يزور قناة حضرموت الفضائية الرسمية ويناقش سبل تعزيز العمل المشترك مع قيادة القناة.    تحويل 5 روايات لنجيب محفوظ إلى مسلسل من 8 حلقات    جمعية (CSSW) تستنكر استخدام مليشيا الحوثي شعارها لتضليل المنظمات الدولية    الشميري ومغسلة الموتى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





نص رؤيتي الحزب الاشتراكي و اتحاد الرشاد لجذور القضية الجنوبية
نشر في 26 سبتمبر يوم 28 - 04 - 2013

واصلت المكونات السياسية اليمنية تقديم رؤاها بشأن القضية الجنوبية، خلال الاجتماع الذي عقده اليوم فريق القضية الجنوبية المنبثق عن مؤتمر الحوار الوطني الشامل، برئاسة نائبة رئيس الفريق بلقيس اللهبي.. حيث استمع الفريق اليوم إلى رؤية كل من الحزب الاشتراكي اليمني، واتحاد الرشاد اليمني، بشأن هذه القضية المحورية في إطار اهتمام مؤتمر الحوار الوطني الشامل.
وقدم الورقتين عضو فريق القضية الجنوبية عن الحزب الاشتراكي اليمني، عبد الرحمن السقاف، وأمين عام اتحاد الرشاد اليمني، محمد موسى العامري.. وفيما يلي نص الرؤيتين:
نص رؤية الحزب الاشتراكي اليمن
مقدمة:
الأحداث والوقائع السياسية والتاريخية التي شكلت القضية الجنوبية جذوراً ومحتوى ، هي من نوع الأحداث "والوقائع الممتلكة للمعنى "، ولا تكون كذلك إلا ضمن سياق يجمعها مع أحداث أخرى ذات طابع مفصلي تتشكل منها وتتبادل التأثير فيما بينها كعناصر مترابطة يعتمد بعضها على بعض ، وفي هذا الصدد فإن السياقات السياسية والتاريخية والتي عبرت خلالها القضية الجنوبية عن نفسها تتمثل في الوحدة اليمنية والطريقة التي تمت بها الوحدة وأسلوب إدارتها من ناحيه ، والأسباب والعوامل التي أدت إلى ظهور الحراك السياسي السلمي الجنوبي وقد تولد عن الأوضاع المتردية التي ألت إليها أحوال الشعب في الجنوب بعد حرب صيف 1994واكتسب هويته السياسية من كونه الحركة الشعبية التي وضعت القضية الجنوبية على طاولة البحث والنقاش ، بعيداً عن أية أوهام إيديولوجية ، تتعلق بالوحدة اليمنية من ناحية أخرى كما ارتبطت القضية الجنوبية كذلك ، بطبيعة السلطة التي استولت على زمام الأمور وسيطرت على مقدرات البلاد منذ 1994/7/7وهي سلطه استبداديه تقليديه لا تقبل الحلول السياسية والتفاوضية والتسويات والتنازلات المتبادلة وتفضل الحلول العسكرية والأمنية ، إلى جانب محاسيبيتها من حيث تفضيلها لقوى مواليه على قوى أخرى غير مواليه - اضافة الى اصداء تطورات الثورة الشبابية الشعبية ضد السلطة الاستبدادية والتي انفجرت في العام 2011م.
إن الجدل الذي يدور اليوم حول القضية الجنوبية وتأويل بداياتها إلى خارج الزمن الذي نشأت فيه ، يبتعد تماماً عن النقاشات الواقعية بشأنها ، وذلك لأن خلط الأوراق التاريخية بالأوراق السياسية ، لن يؤدي الاّ إلى حجب الصورة الحقيقية للأوضاع ألراهنة ، فكيف يمكن لأحداث كانت قبل أحداث تاريخيه جاءت من بعدها وصارت فاصلاً بين زمنين أن تتفاعل مع قضايا سياسيه حيوية تؤثر على الواقع اليوم ، فحركة التاريخ هي زمان لا يمكن استعادته من اجل تصحيح مساره بأثر رجعي ، حيث لا يمكن الاتكاء على عناصر لحظه غائبه لا وجود فعلي لها في الحاضر ، فالسياسة في الماضي هي التاريخ اليوم ، وسياسات اليوم سوف تغدو تاريخاً غداً، وعلى ذلك فإننا نرى:
1- إن الحوار السياسي داخل هذا الفريق يجب أن لا ينزلق إلى مجرد مناظره فكريه أو ندوة سياسيه لا تنتج فعلاً ولا تحقق نتائج ( كما يشير مراراً إلى ذلك الأخ خالد بامدهف ) بل يجب للحوار أن يكون محدداً بالظروف السياسية ومعطياتها المادية المجسدة في الواقع بعيداً عن خدمة سياسات إحترافية تتواجد خارج استراتيجية محددة وتبقى محصورة في حدود مصالح فئوية أو شخصية ، مغلقه على أصحابها فقط .
2- أن نتجنب السفسطة في النظر إلى الأحداث بعيداً عن سياقاتها ، أو استعارة وعي راهن بمفاهيم مستجده ومعاصره لتطبيقها على أوضاع فترة تاريخية سابقه
3- أن نعمل على بلورة مواقف فكريه وسياسيه موضوعيه لمواجهة التحديات وإنتاج الحلول لتفكيك العقد والقضاء على المشكلات
إن أسوأ أنواع المواقف أو القرارات ، تلك التي تصدر عن تفكير رغبوي يداهن المرء بها ذاته وينافقها ، فيبتعد عن التقييم الرصين والمتزن لموضوعاتها ، وفي هذا الصدد نميل دائماً إلى الرؤى الفكرية السياسية التي نتيح مساحة من النقد الذاتي في قراءتها ، إذ ليس من أحداث مجتمعيه تحدث من دون أن يكون وراءها فاعل ما ، أو صانع لها ، ناهيك عن أن تكون تلك الأحداث سياسيه ذات تأثيرات واسعه على حياة الناس والأوطان والشعوب ، فيتوجب على هذا تحديد المسئول عنها من منطلقات العدالة والأخلاق الإنسانية .
إننا ونحن نؤكد على هذا النوع من النقد اخترنا المنزلة بين المنزلتين في هذا الحوار بيننا والمبينتين في الآيتين القرآنيتين الكريمتين "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " ونعتقد أننا ظلمنا في مجريات هذا التاريخ الذي نقف امامه اليوم لنتأمل في بعض جزئياته ثم وجادلهم بالتي هي أحسن " وفي هذا الصدد اسمحوا لنا أن نشير إلى عدد من الحقائق الذاتية لا الموضوعية التي تصنع التعقيدات في الحياة السياسية في بلادنا وتكون صادرة من الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية وخاصة المتنفذة منها ، والتي شكلت الاصطفاف السياسي الذي فجر الحرب في العام 1994م عندما يتعلق الآمر بتحديد مواقفها من القضية الجنوبية .
1- دائماً ما تساور هذه القوى الهواجس بشأن مسئولياتها في المشاركة في صناعة حرب 1994م والنتائج التي أسفرت عنها.
2- إن مواقفهم تجاه مشكلات القضية الجنوبية تتخذ دوماً مسلكاً وحيداً ، هو ترجيح أو تعطيل أو فرض قرارات أو قواعد أو ترتيبات ، بالمقاربة مع مصالحهم الاقتصادية المكتسبة من نتائج حرب 1994م كان ذلك في الجنوب أو في الشمال.
3- وفي مقاربتها الفكرية التبريرية لسياستها الحاكمة تعمل على تأكيد التوجهات الايديولوجية المستنتجة من رؤى لا وجود لها بشان المكانة التاريخية للشمال تجاه الجنوب ، وتحويلها إلى شروط تبني عليها علاقة رأسيه تراتبيه ، يتبين فيه الجنوب ملحقاً بالشمال مستضعفاً بحسب التوصيفات (الأصل - الفرع ) ،(الأم - البنت ) أو أن العلاقة بينهما أشبه ماتكون بزواج كاثوليكي ليس فيه طلاق والعصمة هنا طبعاً بيد الشمال.
4- النظرة التبسيطية والاختزالية لتعقيدات تطور هوية الجنوب اليمنية وعزلها عن مجمل معطيات مراحل التاريخ السياسي الوطني للجنوب المعاصر في سياق النضال ضد الاستعمار من اجل تحرره واستقلاله ووحدته . ومازلنا حتى اليوم نشهد بأن الصراع على هوية الجنوب وكأنه لم يحسم بعد وكان هذا أيضا من نتائج حرب 1994( سنتوسع في تناول هذا البعد في القضية الجنوبية عندما نقدم رؤيتنا حول محتوى القضية )
وعلى ذلك فإننا في الحزب الاشتراكي اليمني نؤكد على من يهمهم الأمر ويعنيهم (أصحاب النقاط الأربعة سالفة الذكر) أن يقوموا بنقد أنفسهم وتصحيح رؤاهم المؤسسة على المرتكزات الأربعة المشار إليها وفي هذا الشأن يرى الحزب الاشتراكي اليمني ، بان المعايير الناجعة والملموسة لنقد الذات والوقوف أمام النفس ، تتجلى في واقع الممارسة محققه للفائدة خلال استراتيجية هادفة تؤدي إلى مراجعة السياسات التي يمكن لها أن تؤثر على المستقبل ، ولن نستطيع جميعنا التمكن من ذلك إلا إذا أوجدنا للنقد ومخرجاته النظرية ، علاقة عضوية بمؤسسة تستطيع أن تُفَّعل النقد وتَحوله إلى محاسبة نزيهة للضمائر والنفوس ، ولعلنا نشير بهذا إلى أن يكون المؤتمر الوطني الشامل هو المؤسسة المْرجوَّة.
إننا في الحزب الاشتراكي اليمني وإذ ندعو الأحزاب والقوى السياسية المختلفة ، إلى فعْل النقد للذات، فقد فعلناه نحن سابقاً ، وقد اصدر الحزب خلال العقدين السابقين اعتذاراً موجهاً إلى الشعب خلال نقد ضاف لتجاربه السياسية النظرية ، وتطبيقاتها على الواقع ، والنتائج التي ترتبت عنها ايجابيه كانت أم سلبياً في وثيقة نقديه تحليلية ، وقف أمامها مندوبو منظمات الحزب بالمحافظات في الدورة الأولى للمؤتمر العام الرابع المنعقد في الربع الأخير من العام 1999م إننا قمنا بذلك إكباراً للشعب اليمني كله وإجلالاً لصبر الشعب في الجنوب ، وأي صبر .

بذور الجذور:
قبل الحديث عن الجذور ووفقاً لمنهج هذه الرؤية ، التي اوضحناها في المقدمة فان القضية الجنوبية وتطور أحداثها ، وإذ هي ذات ارتباط وثيق ومتشابك بالوحدة اليمنية في صورتها الحالية ، من بعد حرب صيف 1994م بعد إفراغها من مضمونها السلمي والنَّدي بين الشمال والجنوب ، فثمة أرضية غرست فيها بذور تلك الجذور نود هنا الإشارة إليها بحكم الضرورة ، وتتكون هذه من الوقائع التالية وما انطوت عليه من أحداث وممارسات في حينه :-
1- الطريقة الاستعجالية في تحقيق الوحدة وإعلان الجمهورية اليمنية ، قبل القيام بإجراء إصلاحات سياسيه واقتصاديه كان يجب تحقيقها بالملموس في داخل كل من الدولتين على حده وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بالوحدة الوطنية وقد تمزق نسيجها الداخلي بفعل الصراعات السياسية والتي انتجت الاقصاء والتهميش لقوى سياسيه واجتماعيه معارضه داخل كل شطر، ما أدى الى النزوح المتبادل من والى احدى الدولتين السابقتين، ليكون واقع الوحدة خالياً من جملة العناصر على المستويين الذاتي والموضوعي التي يمكن لها أن تصنع الأزمات السياسية والاقتصادية وتؤدي إلى فشل الوحدة .
2- عند إعداد الوثائق والأدبيات التأسيسية للوحدة وقيام الجمهورية اليمنية ، تم التركيز فيها على البحث والتأكيد على التجانس فقط ولم يتم التفكير مطلقاً في الفوارق بين مجتمعي الدولتين في حينه ، وكان يجب إعطائها حيزاً مناسباً للعناية بها وجعلها من ابرز مهام المرحلة الانتقالية من اجل تسويتها أضافه إلى أن اتفاقية الوحدة لم تتضمن نقاط القوه لدى الجنوب ومزاياه الجيواستراتجيه والسياسيه وماكان لمواطنيه من مزايا حقوقيه
3- وأخذاً في الاعتبار ، لما جاء في ألنقاط المذكورة في اعلاه فقد تمت الوحدة بين الجنوب والذي كان سلمه ألقيمي يتمثل بالشعور بالهمّ العام والتلاحم من اجل القضايا الكبرى وكان ان بنيت تلك على التنمية البشريه ونهج التطور الحضاري والروح الاستقلالية ، وبين الشمال مع النخبة السياسية الحاكمة فيه وكان الشعب اليمني في الشمال حينذاك معزولاً تمارس ضد قواه الاجتماعيه المعبره عن مصالحها سياسياً في الأحزاب السياسيه الوطنيه ألديمقراطيه التي كانت تمثل ألمعارضه السياسيه في ظل تحريم الحزبيه والقمع الأمني في الشمال .
بينما كان السلم ألقيمي لتلك النخبة السياسيه المتنفذه والحاكمة ضاجا ومشحونا بمفاهيم الكسب والتربح وتفتيت القضايا الكبرى والتفكير بالثراء بدون جهود تمارس ومن دون اية ضوابط أخلاقية ، فكانت الفجوه بين طرفي الوحدة كبيره ومائله بوضوح للعيان من أول لحظة .
الجذور:
تعود جذور القضية الجنوبية ، إلى اللحظة التي تم فيها اتخاذ القرار من قبل القوى السياسية والاجتماعية التقليدية المتنفذة في الشمال والتي كانت ممثلة بخليط من التحالف القبلي العسكري الجهادي الإسلاموي السلطوي باجتياح الجنوب واستباحته ، وتصميم وتجهيز متطلبات هذا الاجتياح والأعداد للحرب التي أعلن عنها يوم 27ابريل 1994م في الخطاب المشئوم الذي القي في ميدان السبعين في العاصمه صنعاء، أن استعادة مشهد المنصه الاحتفالية في ذلك اليوم كفيل بالإفصاح عن مهندسي ومصممي حرب صيف 1994م والتي كان الهدف من ورائها ، الإلغاء التام والكلي للوجود السياسي للجنوب وإنهاء شراكته الوطنية النديه ، وتحجيم موقعه ومكانته وتقزيم حضوره في الجمهورية اليمنية .
وكان التحالف السياسي الذي شكل سلطة 7يوليو بأطرافه العسكرية والتقليدية والدينية والمناطقية ومنذ العام 1993وحتى انفجار التظاهرات الشعبيه والاعتصامات الجماهيريه في الجنوب وبروز الحراك السلمي السياسي قام بالخطوات والأعمال التالية التي شكلت جذور القضية الجنوبية، أستعرضها أمامكم في ثلاث عناوين رئيسيه :-
1- إقصاء الحزب الاشتراكي اليمني من موقع الشراكه السياسيه والوطنيه ممثلاً عن الجنوب
2- تدمير كل مقدرات دولة ج .ي .د . ش في الجنوب
3- تفكيك البنية الوطنية للجنوبيين
1- إقصاء الحزب الاشتراكي اليمني
كان الهدف السياسي الرئيسي من إقصاء الحزب الاشتراكي اليمني إلغاء اتفاقيات الوحدة والتنصل عنها وأبعاد طرف سياسي يمثل الجنوب من ناحية وبشكل الحامل الوطني لمشروع الدوله اليمنية المدنيه الحديثه من ناحيه أخرى ، وتكتلت مجموع تلك القوى السياسيه والاجتماعية الرافضة للمشروع الوطني الحداثي وبنا الدولة المدنية ، ضده ، وعملت على محاصرته بأفعال عنفيه ماديه ولفظيه بدءاً بمحاولات اغتيال قادته واغتيال العشرات من كوادره المدنية والعسكرية والسياسية في الشمال والجنوب .وتسخير الأعلام الرسمي ومنابر المساجد وأشرطة الكاسيت والمطبوعات الورقية في هجومات دعائية تعبوية متواصلة بما في ذلك في صفوف الجنود والضباط والعسكريين داخل المعسكرات المنتشرة في أرجاء الشمال طالت موادها كذلك الشعب في الجنوب بصيغ
تضمنت الإساءة إلى أخلاقياته بهدف تشويه سمعة النظام السياسي الاشتراكي في الجنوب وتلطيخ تاريخه بالسواد باستخدام كم هائل وضخم من الأكاذيب والاختلافات ومفارقة الحقيقه والاتهامات الباطلة . ولم يدركوا خلال حماستهم التي نفذوا بها مخططاتهم أنهم كانوا يقومون من حيث يدرون أو لا يدرون بتقسيم البلاد راسيا فوضعوا الشمال في مواجهة الجنوب وأسسوا الخطوة الأولى نحو تكريس الشعور بالانفصال في النفوس وبلا جدوى الوحدة في الوعي لدى الجنوبيين.
2- تصفية الارث المادي والمعنوي للوجود السياسي للجنوب أن الإطاحة بالحزب الاشتراكي اليمني عن موقع الشراكة في السلطة لم يكن ليفي وحده بتحقيق الهدف الرئيسي من الحرب الموجهة إلى الجنوب لإلغاء وجوده السياسي وكان لابد من استكمال هذا المشروع بتدمير الارث السياسي والمعنوي والمؤسسي للدوله في الجنوب وتخريب تراثها السياسي والإداري ونظامها المالي والقانوني والقضائي ، والعمل على التخلص من المؤسسات الاقتصادية والقطاع العام من خلال عمليات ممنهجه لحساب المتنفذين العسكريين والسياسيين والزعامات والوجاهات القبلية كما صودرت لصالح هؤلاء مزارع الدوله والتعاونيات الزراعية والخدمية وكانت هي عماد الجنوبيين في حياتهم المعيشية . وفي تلك السياقات تم القذف بعشرات الآلاف من العمال والموظفين والكوادر الإدارية إلى سوق البطالة أضافه إلى تسريح ومقاعدة عشرات الآلاف آخرين من العسكريين العاملين في القوات المسلحة والأمن والشرطة ضباطا وجنوداً وتم وضعهم خارج نطاق العمل بحد أدنى من الحقوق وبعيداً عن مواد الدستوروالقوانين والأنظمة الإدارية.
3- تفكيك البنية الوطنية للجنوب.
إن تفكيك البنية الوطنية المعاصرة للجنوبيين ظلت المهمة الرئيسية لسلطة 7يوليو وتحالفاتها السياسية التقليدية القبلية والدينية وكان الهدف الأول لها على هذا الصعيد طمس الهوية الحضارية للجنوب بمعنى ضرب كل تواصلانه مع العصر الحضاري الراهن ومضمونه "الحداثة " وكان الهدم يطال كل منجزاته المادية والمعنوية ذات الصلة بالحداثة ، فعملوا بداية على تبديل مواقع ومكانة الطبقات والفئات الاجتماعية الحديثة من خلال وضعها في ألمرتبه الدنيا من بعد إفقارها بأساليب متنوعه من ضمنها تلك الممارسات التي اوضحناها في ألفقره السابقة فيما يتعلق بتدمير الدوله ومؤسساتها وتسريح العاملين فيها ومقاعدتهم قسراً عسكريين ومدنيين إضافة إلى العمل بشتى الوسائل لإعادة أنتاج المجتمع القديم ، بتمكين رموزه التقليدية من بعض المقدرات الاقتصادية للجنوب تحت يافطات براقه وشعاراتيه بشان تصحيح الأخطاء والمظالم الناتجة عن قرارات التأميم الاقتصادية والعقاريه. وكان هذا الأسلوب يتم في سياقات عديده لتشكيل قاعدة زبائنيه لهم في الجنوب تتبع المراكز العليا للسلطة من اجل تسخيرهم لتنفيذ مهام خاصة ذات أبعاد سياسيه صراعية وعصبويه ولتفكيك المجتمع في أرياف الجنوب والقيام بزعزعة أوضاعه واستقراره بمحاولات تفجير النزاعات والثارات القديمة ، وتشجيع الانتقام السياسي باستخدام الوسائل والأساليب ذات الطابع الإرهابي ، وتهيئة الظروف المناسبه لتطبيق هذه السياسة من خلال تفريغ المديريات باستثناء عواصم المحافظات من الوجود الإداري والأمني النظاميين وتغييب جُلّْ الأشكال المعبرة عن حضور الدوله ، وتعميم ظاهرة انتشار وحمل السلاح والترويج له بصورة منتظمة في محافظات الجنوب كافه وإتاحة الفرص لإنتشار الأعمال المافياوية وطابعها اللاأخلاقي أما التوجه الثاني على هذا الصعيد كان إلغاء مناهج التربية والتعليم ذات الطابع الحداثي من مجموع المقررات الدراسية وتعميم المواقف والأخلاق السلبية تجاه المرأة ودورها في المجتمع وإلغاء المكتسبات الإنسانية التي نالتها المرأة في النظام السياسي السابق في الجنوب.
كما اتخذت سلطة 7 يوليو الإجراءات العملية كافة والتي تضمن لها تفكيك البنية الوطنيه للجنوب بما في ذلك قولبة الأوضاع السياسية والاجتماعيه والمعيشية بما يتناسب وعقلية وهيمنة السلطه على الجنوب بقبضة حديدية وفي هذا الصدد أمعنت السلطة في الممارسة الممنهجه لتحويل المواطنين في الجنوب إلى رعايا وتوابع واتخذت في سبيل ذلك أربعة أساليب عمليه :-
الأول : زرع الروح الانهزامية لدى الجنوبيين وزعزعة الثقة بأنفسهم من خلال أهانه تراثهم النضالي وتحقير رموزهم النضالية والسياسيه عمداً وانتزعت المعالم التاريخية المجسدة لوجودهم السياسي والمميزة لشخصيتهم الوطنيه في أطار مشاركتهم في الوحدة اليمنية.
الثاني : فرض المنظومه السياسيه والاجتماعيه والتقليدي التراتيبيه للجمهورية العربية اليمنية في الحياة اليومية في الجنوب بتعميم ثقافة المنتصر الاستعلائية وعقليته السياسيه التي تحتكم للموروث الاجتماعي الذي يحدد مكانة الإنسان بالانتماء العائلي والسلالي والعرقي أو بالغنى بمقدار ما يملك من المال والعقار
الثالث : حُكم الجنوب بقوانين حالة الطوارئ من دون الإعلان عنها والتي تجيز للسلطه إطلاق يدها في ممارسة العنف الرسمي واستغلت ذلك في إشاعة الفوضى والانتهاكات القانونية وتقسيم الناس إلى كثير من المستضعفين وقلة من الأقوياء المتنمرين.
الرابع : ألامعان في تصوير الجنوبيين عاجزين عاله على غيرهم من خلال التنكر الاعلامي المستديم في السياسه الاعلاميه للنظام القديم لما يسهم به الجنوب في الدخل القومي ورفد الخزانه العامه للدوله ، وبالتضخيم المبالغ فيه حد الكذب الصريح بشأن المصروفات التنمويه على المحافظات الجنوبيه.
رفض الجنوبيين ومقاومتهم لسياسات الضم والإلحاق:
عند التامل بتأن وبهدوء بعيداً عن الانفعالات والانحيازات العاطفية ، مع أو ضد ، نجد القضية الجنوبية منسوجه بشكل محكم من تلك الجذور وتجلياتها الماديه والمعنويه ، في حياة الجنوبيين المعيشيه اليوميه ، وفي تدهور مكانتهم الوطنية ، وكانت الاحباطات والانكسارات هي العناوين الرئيسية في تفاصيل طموحات المواطن الجنوبي ،وذلك قياساً على ما كان عليه هذا المواطن في ماضيه القريب.
وزاد الطين بله لديهم ،خيبة الأمل التي أصيبوا بها من أحزاب المعارضة السياسية التقليدية والتي كانت تطالبهم بالبحث عن الحلول لمشكلاتهم بالتمركز حول الوحدة بما في هذا المطلب من إجبارهم على أن يتمثلوا مشكلاتهم من منظور مشكلات الأخر منفصلاً عن واقعهم المعيشي بتفاصيله أليوميه ( بالقول بان الشعب اليمني كله يعيش هذا الوضع متناسيين أن لا مجال للمقارنة بين الأسباب الفاعله في هذا الصدد بين الشمال والجنوب )فاسقطوا آمالهم في أحزاب اللقاء المشترك وماثلوها بالسلطة ، وأداروا ظهورهم لها وقرروا أن يمثلوا أنفسهم بأنفسهم في البحث عن حلول لواقعهم الأليم والمزري ، واتجهوا نحو اخذ الأمور بأيديهم وقد وجدوا حوافزهم إلى اخذ زمام الأمور بأيديهم تزداد يوماً بعد يوم كلما تأكد لهم غياب الإرادة السياسيه لدى السلطه للوقوف بشجاعه أمام المعضلات والمشكلات التي صنعتها سياساتها في الجنوب.
قاوم الجنوبيون كل سياسات النظام السابق القائم على الضم وإلالحاق وطمس هوياتهم ، ورفضوا الخنوع بأشكال شتى من المقاومة السلميه بما فيها الاحتفاظ بمسافة بينهم وبين السياسات التي أدارتها السلطه لإحتواءهم. واتخذت تلك المقاومة في ما بعد أشكالاً تنظيمية متنوعة مثل : اللجان الشعبية وحركة موج ثم حتم وظهور تيار أصلاح مسار الوحده داخل الحزب الاشتراكي و تشكلت جمعيات للدفاع عن حقوقهم كان أرقى أشكالها جمعيات المتقاعدين العسكريين وجمعيات الشباب العاطلين عن العمل واختطوا أساليب جديدة في التعبير عن رفضهم لأوضاعهم التي تم قسرهم عليها بالاستفادة من مواد دستوريه تسمح للمواطنين بالتعبير والتظاهر والاعتصامات وأخذت تلك الأشكال من التعبيرات الشعبية في الاتساع والتكرار وقامت السلطه بمواجهة الفعاليات الشعبيه والجماهيرية السلميه بالخروج على الدستور والقوانين واختارت أسلوب العنف الدموي ومطاردة القيادات الشعبية وزج الكثيرين منهم في المعتقلات وقد تفوق هولاء على السلطه أخلاقياً بالاستمرار بالنضال السلمي كلما أوغلت السلطه باستخدام القمع الأمني ، وعدم الاستجابة للمطالب الحقوقية إلا بالقطاره وأساليب التفافيه وملتوية كان للفساد في جهاز ألدوله دوراً فاعل في هذا الصدد أمعنت السلطه أكثر فأكثر باستخدام القمع الأمني والحلول الأمنية لمشكلاتها بعيداً عن المشكلات الحقيقه للشعب فزاد عدد الشهداء في المسيرات والاحتجاجات السلميه واكتسبت هذه المسيرات من بعد مضموناً جديداً تمثل في توديع مواكب الشهداء ، مره بعد أخرى في ظل غياب أيه مساندة جماهيرية معتبره من محافظات الشمال للدفاع عنهم من ظلم السلطه وتغولها عليهم ، فارتفعت الأصوات مجدداً بالنداءات من أجل التسامح والتصالح بين الجنوبيين ومن داخل هذا المضمار انبثق الشعور بالجنوبيه ، وتبلورت الحركة الشعبية إلى حركه سياسيه من خلال تأسيس الفصائل المختلفة للحراك السلمي في الجنوب.
موقع الحراك السياسي السلمي من القضية الجنوبية:
موقع الحراك السياسي السلمي في القضيه الجنوبيه والعمليه السياسيه الجاريه اليوم في البلاد تتمثل في الحقائق المبينه ادناه ، وهي :-
1- الحراك السياسي السلمي اسقط من نفوس المواطنين في الجنوب والشمال الخوف وكسر حاجزه عندما وتجاوز تقييد السلطه والمؤسسات الأمنية وغيرها من الأجهزة التنفيذيه الحكوميه للاعتصامات والتظاهرات والمسيرات الجماهيرية ، وفتح بذلك أفاق رحبه أمام نضال قطاعات وأسعه من الشعب للحصول على حقوقها ورفض التسلط عليها ومثل نموذجاً لانطلاق الثوره الشبابيه الشعبيه السلمية
2- كشف الحراك الجنوبي لا ديمقراطية النظام بل واستبداديته وزيف إدعاءاته بالحرص على الوحده اليمنيه والوطنيه عندما واجه النضالات الشعبيه بالأساليب القمعية معبراً بذلك عن الاستمرار في نهج الحرب
3- إن إصرار الحراك السلمي الجنوبي على مواصلة نضاله السياسي وصموده أمام عنف السلطه وخياراته الأمنية بالقدر الذي كشف عجز السلطه في تقديم أية حلول أوضح بما لايدع مجالاً للشك بأن حَّل مشكلات القضيه الجنوبيه يتعدى الحلول الشكليه إلى الحلول الجذرية فألازمه الوطنيه أزمه بنيويه تتطلب حلها تحولات سياسات تغييريه كبرى .
4- ساعد الحراك السياسي السلمي وبعد أن حقق لنفسه مكانة الحامل والرافع للقضيه الجنوبيه على أن تقوم أحزاب اللقاء المشترك بإعادة تصوراتها بشان القضيه الجنوبيه وتعديل مواقفها بشأنها نحو مرونة اكبر وتفهم موضوعي مبتعدين عن الصياغات والمراوغه لمواقفهم تجاهها .
5- وأخذاً في الاعتبار للأبعاد سالفة الذكر من الاهميه بما كان اليوم أكثر من أي وقت التعامل مع الحراك بفصائله المختلفه وهي تمثل قطاعات وأسعه من الشعب في الجنوب والسعي من خلاله الحراك إلى كسب ثقة الشعب هناك خاصه ومن بعد الثورة الشبابية الشعبيه التي أوجدت مناخات وطنيه وأفاق مفتوحه وتغييريه نحو المستقبل والعمل على تطييع جميع القوى السياسيه علاقاتها بالحراك السلمي في الجنوب.
وعلى كل ما سبق يمكن لنا أن نؤكد على أن القضيه الجنوبيه جاء نتاجاً لكل تلك الأفعال والممارسات التي شكلت جذوراً لها وعلى ذلك نرى في الحزب الاشتراكي اليمني أن جميع الحروب الشطريه بين الدولتين السابقتين في كل من الشمال والجنوب والتي تمت باسم الوحده أو باسم العقيدة وكذا الحروب والصراعات السياسيه الداخليه الشماليه الشماليه والجنوبيه الجنوبيه في كل من الدولتين جميعهما لم تنتج قضيه جهويه قضيه شماليه أو قضيه جنوبيه فكل تلك الصراعات جرت في سياقات وضمن شروط سياسيه داخليه مختلفه يجمعهما ويوحدهما ، أن الطابع السياسي لكل من الدولتين شمولي وكل منهما بطريقته الخاصة تراوحت بين ألاستبداديه والتوتاليتاريه ... وعلى ذلك فمن غير الممكن قراءة التاريخ وتوصيف إحداثه بأثر رجعي كما لا يمكن محاكمة ونقد التجربة السياسية في ماضي البلاد قبل قيام الجمهورية اليمنية ، بالمنطق الفكري السياسي لليوم ، لأننا لو فعلنا ذلك فسنجد أنفسنا أمام قراءه لا موضوعيه لا تاريخيه ولن نتمكن من أية إضافة نقدية للواقع ولن نخرج ابداً بحلول موضوعيه لمشاكلنا .
إن القضيه الجنوبيه وجدت وتشكلت وتبلورت مشكلاتها ، داخل تاريخ الوحدة بالشكل الذي عبرت عنه الجمهوريه اليمنية من بعد حرب 1994م ، وهي بذلك نتاج موضوعي سياسي وتاريخي للحرب التي استهدفت إلغاء الوجود السياسي للجنوب وليس لأي سبب أخر ، ذي صله بالوحده اليمنيه أو برسالة دينيه أو بمشروع وطني تحرري ليبرالي وحداثي.
انتهى بعون الله تعالى

نص رؤية اتحاد الرشاد اليمني
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد:
فلقد خلق الله الإنسان لعبادته, وأرسل سبحانه الرسل وأنزل الكتب ليقوم الناس بالعدل, {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}, وأعظم العدل توحيد الله سبحانه وتعالى والانقياد لحكمه, والاستجابة لأمره في جميع شؤون الحياة.
ولله في خلقه سنن وقوانين ثابتة لا تتغير {وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا} ومن هذه السنن:-
* سنة زوال النعم وانقراض الأمم بغياب العدل وفشو الظلم {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا}.
* سنة مسؤولية الناس عن رقيهم وانحطاطهم {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
وهذه السنن وغيرها تسري على عموم الخلق لا تخص شعبا دون غيره وما يجري في بلادنا ليس بمعزل عن هذه السنن.
لذا فإن سبر أغوار تاريخنا السياسي ومعرفة جوانب الاختلالات المتعاقبة عبر عقود من الزمن أمر في غاية الأهمية لأن القطيعة التاريخية في التعامل مع الحاضر والمستقبل تسوق إلى التخبط الأعمى في مسارات الحياة.
وعندما نسلط الضوء -بصورة مختصرة- على جذور القضية الجنوبية وكيفية الإفادة من ذلك في بناء يمن جديد فلا يعني ذلك بأية حال أن ننكأ الجراحات أو ننبش العداوات والإحن لما في ذلك من السلوك المذموم شرعا والمتنافي مع قيمنا الإسلامية النبيلة التي تهدف إلى ردم فجوة الخصومات وتعميق وترسيخ مفهوم الإخوة الإيمانية بعيدا عن النعرات والعصبيات الجاهلية التي جاء الإسلام للقضاء عليها.
وإنما المقصد الأسمى من ذلك كله هو الوقوف على جوانب الخير فتتبع وجوانب الشر فتجتنب مع التأكيد على عدم بخس الناس أشياءهم وحقوقهم المادية والمعنوية إذ الحقوق في الشريعة الإسلامية وفي القوانين البشرية لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء .
وبالنظر والتشخيص لأبعاد وجذور القضية الجنوبية فإن "حزب الرشاد اليمني" يرى أن هذه الجذور تتمثل في ثلاث مراحل كل مرحلة مرتبطة بأختها وآخذة بتلابيبها مقدمة وممهدة لما بعدها يصعب أن تفهم كل مرحلة دون سابقتها ولاحقتها.
المرحلة الأولى: تبدأ عام 1967م.
توطئة:-
في عام 1839م اقتطع الاحتلال البريطاني الجزء الجنوبي من بلاد اليمن وأقام فيها المحميات ليتحرز بها من تمدد العثمانيين في شمال اليمن.
وعلى إثر انسحاب العثمانيين من اليمن ناشد قائد الجيش العثماني إمام اليمن باستلام ولاية لحج التي كانت بأيدي العثمانيين غير أن الإمام يحيى حميد الدين قد قابل هذا العرض بالتقاعس والعجز عن القيام بمسؤولياته تحاشيا من الدخول في صراع مع الانجليز وبسبب دخوله صراعات في مناطق أخرى ثم توالت الأحداث حتى نتج عن ذلك تداعيات أدت في محصلتها النهائية إلى تهيئة الظروف لإقامة تشطير اليمن إلى دولتين في شماله وجنوبه
وملخص هذه المرحلة التي بدأت عشية استقلال جنوب اليمن 30/نوفمبر/1967م, والتي بدأ التحضير لها منذ منتصف الخمسينات على أيدي المناضلين من أبناء اليمن الذين قرروا مقاومة الاستعمار البريطاني سواء كانوا أفرادا أو منظمات تمخضت فيما بعد إلى كتلتين رئيسيتين وهما "جبهة التحرير" "والجبهة القومية" رافقهما علاقات تقترب أحيانا وتفترق وتتقاتل أحيانا أخرى ما أدى في نهاية المطاف إلى إقصاء جبهة التحرير وتشريدهم من أوطانهم.
سمات هذه المرحلة:-
1. انفراد الجبهة القومية واستلام سلطة الجنوب.
وبذلك تكون الجبهة القومية قد انفردت بقيادة جنوب اليمن و ساعد على ذلك تسليم الحكومة البريطانية مقاليد الحكم للجبهة القومية مع معسكرات الجيش.
وبالتأكيد فإن اختيار البريطانيين للجبهة دون التحرير لم يكن عفويا أو بعيدا عن الأهداف السياسية التي تتمثل في مقاصد منها:-
1. إقصاء جبهة التحرير لعمقها الشعبي وتوجهها العروبي ذي الصلة بحركة القوميين العرب المدعومة من الرئيس جمال عبد الناصر.
2. إقامة نظام تشطيري وقطع الطريق أمام أي توجهات وحدوية نظراً لأن جبهة التحرير كانت على علاقة متينة مع القادة السياسيين في شمال اليمن, بينما كانت الجبهة القومية على خلاف ذلك.
3. تمكين الفريق الأضعف (الجبهة القومية) واستمرار التواصل ببعض أجنحتها التي ظلت على صلة موالية للنظام البريطاني.
4. تنازل الجبهة القومية عن استحقاقات فترة الاستعمار البريطاني لجنوب اليمن.
5. نكاية البريطانيين بأبناء الجنوب لمساندتهم لثورة الاستقلال, وهي السياسة البريطانية مع مناطق متعددة في العالم الإسلامي {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ},
6. وجود تنسيق بريطاني سوفيتي في الوقت الذي لم تكن فيه العلاقة البريطانية الأمريكية على وئام, ما يعني أن تسليم السلطة لجبهة التحرير قد يتجه بالمسار السياسي نحو التوجه الأمريكي أسوة بدول المنطقة التي كان لجبهة التحرير علاقاتها الدولية المتميزة بمحيطها الإقليمي.
2. سياسة الاستبداد والإقصاء.
قامت الجبهة القومية على سياسة الاستبداد والإقصاء لكل من خالفها من أتباعها فضلا عن من عارضها من خارجها ومن ذلك:-
‌أ. إقصاؤها لجبهة التحرير من المشهد السياسي.
‌ب. إبعاد السلاطين( ) والشخصيات الاجتماعية والتخلص منهم.
‌ج. إقصاؤها للرئيس قحطان الشعبي وإيداعه السجن ومن معه بعد سنة وبضعة أشهر.
‌د. تصفية الرئيس سالم ربيع علي (سالمين) عام 78م ومن معه بناء على رؤى واختلافات فيما بينهم.
‌ه. الاستمرار في الصراعات ومواصلة سلسلة الإقصائات والتصفيات إلى أن جاءت القاصمة في أحداث يناير 86م.
3. سياسة الارتهان للخارج.
ونتيجة لهذا التوجه الماركسي للحزب الحاكم فقد وضع جنوب اليمن بإرادته السياسية وموارده الاقتصادية وقوته البشرية ومياهه الإقليمية تحت تصرف ونفوذ الاتحاد السوفيتي دون مقابل يذكر أو انتفاع لأبناء جنوب اليمن سوى المديونية بمليارات الدولارات للسوفيت التي تحملتها دولة الوحدة فيما بعد. وبهذه السياسة تحولت المنطقة من احتلال بريطاني إلى نفوذ سوفيتي أسوأ بكثير من سلفه.
4. سياسة تأميم الممتلكات.
قام النظام الاقتصادي في جنوب اليمن منذ عام 69م على النظرية الاشتراكية في التملك والثروة والإنتاج حتى غدا منفردا في محيطه الجغرافي منعزلا عن دول الجوار في سياستها الاقتصادية الحرة وقد نتج عن ذلك نظرية التأميم الزراعي والعقاري خلال عامي 72-73م وتأميم الممتلكات التجارية والصناعية لملكية الحزب أعقب ذلك نزوح وهروب أصحاب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد بعد أن كانت عدن أهم وأبرز المراكز التجارية في جزيرة العرب.
وهكذا استمرت الأحوال في التدهور الاقتصادي على مستوى الفرد يوما بعد يوم مع انعدام أي جهود لعمليات البحث والتنقيب عن الثروة, واكتفت ببعض المنتجات الزراعية وشيء يسير من الثروة السمكية التي أدت إلى أن يعيش المواطن على مستوى زهيد في شتى مناحي الحياة مع انخفاض حاد للدخل الفردي وانسداد آفاق الأعمال المهنية الحرة التي كان لها بالغ التأثير على الناس بعد قيام الوحدة.
لهذه الأسباب وغيرها كان لا بد من التعجيل والسير قدما إلى تحقيق الوحدة اليمنية.
5. سياسة فصل الدين عن الدولة والحياة.
يعتبر التدين في جنوب اليمن ضارباً في القدم منذ ظهور نور الإسلام في اليمن, وقد استمرت العقيدة الإسلامية يتوارثها الناس جيلا بعد جيل حتى غدت جنوب اليمن منطلقا للدعوة الإسلامية في الهند وإفريقيا وجنوب شرق آسيا عبر المهاجرين من أهل حضرموت الذين نشروا تعاليم الإسلام في تلك البلاد التي يتواجد فيها ما يزيد على خمسمائة مليون مسلم.
لكن نظام الحكم الشمولي في جنوب اليمن -مع كل أسف- قد تجاهل هذا الموروث الحضاري حينما أعلن التوجه الماركسي عام 69م واتجه إلى فرضه ونشره بشتى الأساليب التي كانت محل استياء وسخط ومقاومة أبناء الشعب في جنوب اليمن .
وكان من آثار هذا التوجه أن تم فصل الدين عن الدولة والحياة السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها.
وتبع ذلك ما قامت به السلطة من قتل وسحل وتشريد المئات من العلماء والخطباء تحت شعار "الموت للكهنوت, ومحاربة الرجعية" ومورست أخطاء شنيعة بحق أبناء جنوب اليمن حيث غيبت أحكام الشريعة الإسلامية عن الدولة وسياسة الحكم, وشرعت أحكام للأسرة تخالف الإسلام, وعادات وتقاليد وقيم المجتمع ومنعت الدروس والندوات الإسلامية من المساجد وكممت أفواه العلماء والمصلحين, وحوربت كتب الثقافة الإسلامية ومنع استيرادها واعتبرت مادة الدين في المناهج الدراسة من المواد الهامشية والثانوية في الوقت الذي قاموا فيه بتدريس النظريات الشيوعية والماركسية, والاشتراكية العلمية والترويج لها, وحورب الحجاب ومنع في المدارس الثانوية والجامعية, والوظائف العامة.
كل ذلك وغيره مما لم يذكر قد أدى إلى قطيعة حقيقية بين الشعب والسلطة التي لا يربطهم بها سوى آلية القمع والإرهاب مما جعل الشعب ينتظر يوم الخلاص من هذه الأوضاع المأساوية.
6. انتهاك الحقوق والحريات
وأما البعد الحقوقي للقضية الجنوبية في هذه المرحلة فقد أصيب في مقتل بسبب السياسة الخاطئة التي انتهجها الحكم الشمولي في تلك المرحلة.
فالحقوق السياسية والتعددية ذهبت أدراج الرياح وكرس في هذه الحقبة لا صوت يعلو فوق صوت الحزب نظريا وعمليا ويكفي لمعرفة هذه الحقيقة أن نقرأ النص الدستوري في دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبة المادة رقم (3) :" الحزب الاشتراكي اليمني المتسلح بنظرية الاشتراكية العلمية هو القائد والموجه للمجتمع والدولة وهو الذي يحدد الأفق العام لتطوير المجتمع وخط السياسة الداخلية والخارجية للدولة ويقود الحزب الاشتراكي اليمني نضال الشعب ومنظماته الجماهيرية نحو الانتصار التام لإستراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية وصولا إلى بناء الاشتراكية وتعمل جميع منظمات الحزب في إطار الدستور". وجرم على إثر ذلك أي نشاط سياسي خارج منظومة الحزب وطورد السياسيون وحوكموا محاكمة غير عادلة وعذب كثير منهم وقتل آخرون دون أن يعلم ذووهم عن مصيرهم إلى الآن.
وكذا الحقوق المدنية والاجتماعية وغيرها أصابها ما أصابها من الحظر خارج إطار الحزب وصودرت الحريات المخالفة للحزب, ومورس الاضطهاد الفكري والثقافي والأدبي على المخالفين لتوجه الحزب.
وهكذا الحقوق الشخصية المتعلقة بالتملك والاستثمار والتنقل والأسفار انتهكت وصودرت مع ما صاحبها من ترويع الآمنين والمداهمات الليلية والقتل خارج إطار القانون والقضاء.
كل هذه الممارسات وغيرها قد أسهمت في الترقب لساعة التولي من هذه المرحلة.
7. العداء والصراع مع المحيط الإقليمي.
اتسمت السياسة العامة والعلاقات الخارجية في تلك الحقبة بأنواع من الصراعات مع المحيط الإقليمي سواء في دول الخليج كسلطنة عمان والسعودية تحت شعارات محاربة الامبريالية وتصدير الثورة الاشتراكية العلمية أو القرن الإفريقي أو الشطر الشمالي لليمن فيما يعرف بالجمهورية العربية اليمنية التي خاض الحكم الشمولي معها حروبا متعددة وما صاحب تلك المرحلة من تصدير للفكر اليساري عبر آلة القتل إلى المحافظات الشمالية فيما عرف بمرحلة التخريب ونتج عن ذلك أحداث مؤلمة من قتل وإعاقة وترويع الآلاف في المناطق الوسطى وغيرها, عبر وسائل غير إنسانية كزراعة الألغام وتسميم الآبار وغير ذلك من الوسائل البشعة.
المرحلة الثانية: وتبدأ بقيام الوحدة عام 1990م حتى عام 1994م
ونتيجة لما سبق ولأسباب عديدة ليس هذا محل بسطها كان من أهمها الأحداث الدامية التي حصلت بين الرفاق في 13 يناير 1986م والتي ذهب ضحيتها الآلاف وما تلاها من انقسام حاد بين ما يسمى بالزمرة -وهم أنصار علي ناصر محمد- والطغمة التي بقيت على الحكم في الجنوب مع بقاء موروثات الصراعات السياسية داخل منظومة الحكم كذلك انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام "البروستريكا" في المنظومة الاشتراكية وانقطاع الصلات الاقتصادية والسياسة واللوجستية معها فقد سارع الرفاق إلى الخروج من هذه الأزمة بالعمل الجاد والمسارعة نحو التوجه إلى قيام الوحدة اليمنية عام 1990م والتي كانت بمثابة طوق النجاة للمنظومة الحاكمة في جنوب اليمن.

سمات هذه المرحلة:
1. الاستبداد والانفراد بقرار الوحدة.
بما أنه لم يعد هناك مكونات سياسية في جنوب اليمن سوى الحزب الاشتراكي فقد اتجه الحزب إلى قرار الوحدة منفردا عن أي منظومة سياسية جنوبية وكان يفترض على الأقل أن يكون للقوى السياسية والعسكرية التي تواجدت في شمال اليمن -على إثر أحداث 86م- وهم أنصار الرئيس على ناصر محمد حظ في التشاور حول آلية اتخاذ قرار الوحدة واستمرارية بقائها دون أن تتعرض للاختلال , لكن الحزب وكعادته في سياسة الإقصاء طالب بطردهم وهو بالفعل ما استجابت له صنعاء, كما أصروا على عدم إدخالهم في القسمة والشراكة في دولة الوحدة, ولا ريب أن هذه النظرة الاستبدادية قد ساهمت إلى حد كبير في غياب النظرة الموضوعية لمشروع الوحدة الذي يضمن الشراكة السياسية لأبناء الجنوب في الحكم.
وأما أبناء الشعب في الشمال والجنوب فقد باركوا هذه الوحدة وأيدوها وأصبحت بالنسبة لهم تمثل التجسيد الحقيقي لأحلامهم التي طالما كانوا يتطلعون إلى تحقيقها في حياتهم, ولذلك فقد تم استفتاء الشعب على دستور دولة الوحدة وأقيمت انتخابات برلمانية ورئاسية كانت عبارة عن الموافقة الإجماعية والقبول التام بتحقيق الوحدة اليمنية.
2. القراءة السياسية الخاطئة لنظام صنعاء.
وقع الحزب الاشتراكي في قراءة خاطئة لطبيعة الوضع السياسي والاجتماعي في شمال اليمن؛ حيث ظن الرفاق أن النظام الشمالي قد أصبح قاب قوسين أو أدنى من السقوط والتردي وقد ساعده على هذه الظنون بعض من زين له أن أبناء تعز والمناطق الوسطى والبيضاء وغيرها ينتظرون قدومه بفارغ الصبر وممن ساهم في ذلك بعض الجهات الاجتماعية والقبلية التي كانت تدين له بالولاء وتستمد معوناتها من الحزب الاشتراكي في فترة التشطير.
ومع أن منطق الأمور والمؤشرات لا يساعد على هذا الاتجاه بسبب تصدع المنظومة الشرقية الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي إلا أن هذه المؤشرات كانت هي الأضعف لدى صناع القرار في الحزب, وقد ترتب على هذه القراءة الخاطئة الغفلة السياسية عن إيجاد آلية لتحقيق الشراكة السياسية لأبناء المحافظات الجنوبية؛ لذا فقد كانت اتفاقية الوحدة عبارة عن صفحة ونصف فقط بينما كانت الاتفاقية في الوحدة الألمانية مكونة من 1200 صفحة.
3. صراع الهوية في دستور دولة الوحدة.
انشغل الحزب الاشتراكي بصراع الهوية التشريعية في دستور دولة الوحدة ودخل أو استدرج إلى خصومات في بداية الوحدة حول الهوية وحول الشريعة الإسلامية وكونها مصدرا لجميع التشريعات مع غفلتة عن آلية الحكم الصحيحة, وبنائها في دستور دولة الوحدة.
إضافة إلى ذلك وهو أمر لا بد من ذكره وهو انشغال الرفاق بمصالحهم الشخصية دون استجابة لبعض الأصوات التي كانت تنادي بتصحيح مسار الوحدة.
وفي هذه المرحلة تمت الانتخابات النيابية عام 93م والتي أظهرت حجم الكارثة بالنسبة للحزب الاشتراكي اليمني حيث لم يتحصل إلا على 20% من مجلس النواب أي 54 مقعدا من أصل 301 مقعد لضعف امتداده في الشمال وتقلص شعبيته في الجنوب ومن حينها ذهبت السكرة وجاءت الفكرة وأدرك الحزب الاشتراكي أنه إذا ما استمر نظام الحكم بموجب الدستور الحالي فإن مصيره إلى الانقراض التدريجي والموت البطيء ونتيجة لذلك بدأ الحنين إلى الماضي وإلى عودة الأمور إلى ما قبل 90م وإلى التفكير بفك الارتباط وتدخلت قوى إقليمية في تنمية هذا الاتجاه.
وقد زاد من قناعة الحزب الاشتراكي بذلك تأخره في تلك الانتخابات إلى المرتبة الثالثة وصعود ثاني قوة في السياسة اليمنية وهو التجمع اليمني للإصلاح الحليف التاريخي حينها للمؤتمر الشعبي العام والخصم التاريخي للحزب الاشتراكي.
4. سلسلة الاغتيالات لبعض قادة الحزب الاشتراكي.
وفي هذه المرحلة زادت الأمور تعقيدا بسبب سلسلة الاغتيالات المتعددة لبعض قيادات الحزب الاشتراكي اليمني فسرت من قبل البعض بأنها خصومات تاريخية وثارات سياسية وتصفية حسابات وفسرت من جهات أخرى بأنها شروع ممنهج للتخلص من شريك الوحدة وفسرتها جهات أخرى بأنها أعمال لجهات فكرية إسلامية جهادية.
وأيا ما كان في واقع الأمر فقد قوبلت هذه الأعمال بفتور من الجهات المعنية بحيث لم يكشف عن المرتكبين لهذه الاغتيالات ولم يتم تقديم الجناة إلى القضاء وكشف حقيقتهم للرأي العام وهو ما زاد من تفاقم الأمور بين شريكي الحكم أولا ثم شركاء الحكم فيما بعد المؤتمر والإصلاح من جهة والحزب الاشتراكي من جهة أخرى.
5. وثيقة العهد والاتفاق.
وبعد سلسلة من إجراءات التفاوض بين فرقاء العمل السياسي عبر وساطات قبلية وسياسية محلية باءت بالفشل وزادت الأمور تعقيدا وأصبحت مؤشرات الحرب تلوح للعيان وكثرت الاتهامات والملاسنات والمناكفات الإعلامية حصل التدخل الخارجي وتوجه الفرقاء إلى العاصمة الأردنية "عمان" وتم الاتفاق على وثيقة "العهد والاتفاق" والتي لم يجف حبر ورقها بعد حتى غدر بها ونكث بها وأضحى كل طرف يرمي خصمه بالانقلاب على هذه الوثيقة والتسبب في قيام حرب عام 1994م.

المرحلة الثالثة: منذ حرب 94م فما بعدها.
توطئة:
من المهم أن نوضح أن هذه الحرب لم تكن بين شمال اليمن وجنوبه وإنما هي حرب بين اتجاهات سياسية وشركاء في السلطة.
ذلك أن تصوير الحرب على أنها احتلال الشمال للجنوب أمر في غير محله بدليل أن كثيرا من القادة والجيش الذين شاركوا في الحرب كانوا من أبناء الجنوب.
ومن جهة أخرى لم يكن منطلق هذه الحرب يعود إلى فتاوى دينية فإن ذلك لم يحصل من عالم معتبر وإن كان قد وجد من يبرر الحرب إما باعتبارها حربا بين الشرعية والبغاة أو باعتبار تقدير المصالح والمفاسد لكن هذا شيء, وما يشاع بإباحة دماء الجنوبيين وتكفيرهم شيء آخر ليس له وجود في الواقع وإنما هي دعاوى ممنهجة لإسقاط قيمة الفتوى الشرعية ومكانة العلماء في المجتمع ليس إلا, وهو نوع من الترويج والمكايدات السياسية.
ويؤكد ما ذكرناه في هذا المقام أن أحدا في جنوب اليمن بعد انتصار ما عرف بقوات الشرعية لم يتحدث عن الاحتلال ولم توجد أي مقاومة لهذا الاحتلال لا سلمية ولا غير سلمية بل ظلت الأوضاع تسير بوضع شبه طبيعي إلى أن جاءت انتخابات 2007م.

سمات هذه المرحلة:-
1. انفراد المؤتمر الشعبي العام والإصلاح بالقرار السياسي.
بعد قيام حرب 1994م بفترة دخلت القضية الجنوبية منعطفا تاريخيا جديدا ترتب عليه تداعيات مختلفة وأفرزت ظروفا متعددة للعملية السياسية فأحد الشركاء أزيل من المعادلة السياسية وبقي الشريكان فقط المؤتمر والإصلاح في وئام لما يقرب من عقد من الزمان بدأت بعدها المكايدات والمماحكات السياسية بينهما وبدأت قيادة المؤتمر السياسية تتجه نحو الانفراد بالسلطة والتخلص من الشريك الثاني الذي لم يعد له حاجة وهو التجمع اليمني للإصلاح باعتباره كرتا انتهت صلاحيته كما قيل بعد ذلك! ولم يعد حينها النظام محتاجا إلى هذه الشراكة.
2. اتساع دائرة المعارضة السياسية.
وقد كان من الطبيعي بعد فقدان الشريكين (الاشتراكي والإصلاح) لمواقعهم في النفوذ أن تجمعهم مصيبة الإقصاء وتسوقهم متحالفين إلى المسرح السياسي بتشكيل, معارضة قوية للسلطة تمثلت في أحزاب اللقاء المشترك التي دأبت على تعبئة الرأي العام بمخاطر الاستبداد والانفراد بالقرار السياسي وعملية التوريث والاستحواذ بمقدرات وثروات الشعب اليمني توجت بأكبر معارضة سياسية للنظام خاضها اللقاء المشترك في الانتخابات الرئاسية عام 2007م في الوقت الذي بدأت دائرة الاحتجاجات السلمية في الحراك الجنوبي وغيره تتسع يوما بعد يوم.
وقد استغلت أطراف سياسية -من باب المكايدة للحزب الحاكم- مطالب الحراك الحقوقية في بداية الأمر وروجت لها وقامت بتشجيعها حتى تبلورت في حراك سياسي يطالب بالانفصال دون أن تدرك هذه الجهات النظر في مآلات الأمور مع ما قامت به وسائل إعلامية غير مسؤولة في إذكاء روح العنصرية والعصبية الجاهلية التي تنافي رابطة الأخوة الإيمانية.
3. تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية.
وفي هذه المرحلة كثرة الاختلالات الأمنية, وفقدت الدولة سيطرتها على بعض مناطق اليمن كما في حروب صعدة مع دخول أطراف إقليمية تدفع باتجاه الفوضى وتغذية الصراعات, وزادت أعمال النهب وتفاقم الفساد المالي والإداري مع غياب المؤسسة القضائية وتجذرت شجرة الفساد في ربوع اليمن.
وتم في هذه الظروف إطلاق أيدي العابثين والتستر على أعمالهم المشينة المتعلقة بنهب الأراضي والعبث بالثروات العامة وتغلغل مافيا الفساد في النفط والغاز وغيرها, مع ترد مروع للأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة, وغياب أو ضعف فرص العمل, وهو الأمر الذي زعزع الثقة بقدرة النظام على تصحيح أوضاعه ومعالجة مشكلاته.
4. تجاهل الحقوق والاستحواذ بالوظيفة العامة.
تجاهلت السلطة كثيرا من المطالب الحقوقية لأبناء المحافظات الجنوبية والمتمثلة في معالجة آثار الحرب, وإعادة الموظفين المدنيين والعسكريين المسرحين قسرا إلى أعمالهم ووظائفهم وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم.
ومع مرور الأيام شيئا فشيئا هيمن الحزب الحاكم وحلفاؤه وبخاصة من أبناء المحافظات الشمالية على الوظائف العامة العليا, وتم تهميش القيادات الجنوبية الفاعلة مع تمكين القيادات الموالية للسلطة التي لا تحظى برصيد شعبي في المحافظات الجنوبية.
5. عجز الدولة وفشلها في إقامة دولة المؤسسات.
فشلت الدولة في معالجة آثار حرب 94م, وعجزت عن إقامة دولة المؤسسات, وكانت الأقدار والسنن قد أحاطت بها من كل مكان وقامت ثورات الربيع العربي التي كانت بمنزلة القشة التي قصمت ظهر البعير وتسببت في رحيل رأس النظام, والدخول في مرحلة التسوية السياسية المتمثلة في المبادرة الخليجية وما تفرع عنها وهو ما نشهده اليوم من أعمال مؤتمر الحوار الوطني الشامل.

نخلص من هذا كله إلى أن القضية الجنوبية ترجع إلى جذور أهمها:-
1. اقتطاع الاحتلال البريطاني للجزء الجنوبي من اليمن وتقاعس نظام الإمامة عن مقاومته بل اعترف بحكومة المستعمر وحدود مستعمرته.
2. سياسية الاستعمار البريطاني قبل رحليه في زرع بذور الفتنة بين أبناء الجنوب فيما عرف بصراع الجبهة القومية مع جبهة التحرير, وتسليمه مقاليد الحكم للجبهة القومية.
3. انسياق الجبهة القومية منذ لحظات الاستقلال لإقصاء الأطراف السياسية والاجتماعية عن المشهد السياسي في الجنوب.
4. قيام الحزب الاشتراكي على نظرية سياسية واقتصادية وثقافية تتنافى مع ثوابت ومصالح المجتمع في المحافظات الجنوبية.
5. الارتهان لنفوذ الاتحاد السوفيتي الذي استغل مقدرات وأراضي جنوب اليمن دون أن ينال أبناء الجنوب منه إلا الديون التي أثقلت كاهله.
6. الصراع المستمر بين أجنحة السلطة في الجنوب والذي تبلور في حرب 86م وتداعياتها.
7. الانفراد بقرار الوحدة من السلطة الحاكمة في الجنوب دون إشراك أي طرف سياسي آخر من أبناء الجنوب.
8. دستور دولة الوحدة الذي لم تصغ فيه آلية الحكم بما يكفل شراكة فاعلة وحقيقية لأبناء الجنوب.
9. تمرد علي سالم البيض ومن معه على نتائج انتخابات 93م واتجاهه للانفصال.
10. انفجار حرب 94م وعدم إصلاح ما ترتب عليها من آثار.
11. انفراد الحزب الحاكم في الشمال بالسلطة بعد حرب 94م, وإقصاؤه لشركاء الوحدة وغيرهم.
12. الفساد المالي والإداري العام في جميع مؤسسات الدولة والمستشري في كل مناطق اليمن غير أن أبناء المحافظات الجنوبية كان شعورهم بالظلم والغبن أكثر من غيرهم لأسباب تاريخية وسياسية.
13. استغلال بعض القيادات الجنوبية للأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية العامة في اليمن بأنها ممنهجة ضد أبناء الجنوب لتحقيق مآرب سياسية على حساب مصالح أبناء المحافظات الجنوبية.
14. الاختلاف في المستوى المعيشي والاقتصادي بين أبناء المحافظات الشمالية والجنوبية بسبب سياسات الشطرين الاقتصادية مما جعل أبناء الشمال يتجهون لاستثمار أموالهم ومهاراتهم في المحافظات الجنوبية, الأمر الذي أدى إلى شعور أبناء المحافظات الجنوبية باستفادة أبناء الشمال من الوحدة دونهم.

خاتمة:-
بعد هذا السرد لجذور القضية الجنوبية ومسبباتها نستطيع القول بأن محتوى القضية الجنوبية اليوم قد أصبح يحمل في طياته مضامين الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
فالحقوق السياسية تتمثل في شراكة أبناء المحافظات الجنوبية في السلطة بما يتلاءم مع حقوقهم المشروعة وتاريخهم النضالي.
وهي حقوق اقتصادية تتمثل في الاستفادة من موارد الجنوب الاقتصادية وإشراكهم بما يتناسب مع منطقتهم الزاخرة بالثروات الطبيعية المتعددة, وفقا لمعايير العدل ورفع الظلم والمعاناة عنهم.
وهي حقوقية تتمثل في إعادة الاعتبار لهم وتسوية أوضاع المسرحين من أعمالهم في جميع مجالات العمل الوظيفي في القطاعين المدني والعسكري.
وقد بات واضحا للعيان اليوم أن معاناة المواطن اليمني متشابهة من شماله إلى جنوبه ومن غربه إلى شرقه مع مراعاة خصوصية الجغرافيا والفوارق الموضوعية.
فدولة المؤسسات القائمة على العدل التي تحافظ على الثوابت الدينية والوطنية والتي تستمد أنظمتها من أحكام الشريعة الإسلامية وتعمل على تطبيق ذلك في عامة مناحي الحياة, مع الاستفادة من النظم الانسانية والتجارب البشرية التي لا تعارض كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, والتي تقوم على مبدأ الشفافية وإعطاء الحقوق والشراكة الحقيقة لأبناء المجتمع اليمني عموما هي المخرج الآمن والأمل المنشود مع تحقيق الحريات المعتبرة والحقوق المشروعة والتنمية الشاملة وترسيخ الأمن وبناء الجيش على أسس إيمانية ومهنية ووطنية من جميع مناطق اليمن بعيدا عن الولاءات المناطقية والقبلية وغيرها.
وهذا هو الذي نتطلع إليه اليوم ويتطلع إليه جميع أبناء اليمن في جنوبه وشماله.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.