الارصاد: اجواء صحوة وباردة إلى باردة نسبيا على المرتفعات والصحاري    الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي الجنوبي: المساس بمؤسساتنا الوطنية "خط أحمر" وسيُقابل برد شعبي مزلزل "بيان"    نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين تدين بأشد العبارات الاعتداء على مقر مؤسسة عدن الغد    مليشيا الحوثي تمنع أول رحلة لليمنية من الهبوط في مطار المخا وتجبرها على العودة    تدشين النزول الميداني للمستشفيات والمختبرات في صنعاء    بنيران العدو السعودي.. إصابات في صفوف المهاجرين بصعدة    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم بإعادة التعامل مع منشأة صرافة    محافظ عدن يناقش أوضاع المتقاعدين والإشكاليات التي تواجه عمل هيئة التأمينات والمعاشات    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "مانجو مع القات"    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد "مانجو مع القات"    الحوثيون والممرات البحرية.. من الحرب على اليمنيين إلى ابتزاز المجتمع الدولي    أول تعليق من السنغال بعد عقوبات "الكاف"    الخدمات في الجنوب... ورقة ضغط أم تمهيد لمرحلة جديدة؟    صفقة الموسم.. الاتحاد السعودي يقدم عرضا خرافيا لضم أحد أبرز نجوم برشلونة    صلح قبلي ينهي قضية ثأر دامت أكثر من أحد عشر عاماً في مديرية الحداء    خسائر مستثمري الذهب 7.4 تريليون دولار    استنفار سعودي غير مسبوق في شوارع عدن    إيران تخصص مقابر للقتلى الأمريكيين المحتملين    الترب: لاخوف على اليمن من مؤامرات دول الجوار    صحيفة إسرائيلية: صنعاء تحذر واشنطن من أي هجوم على إيران سيقابل بهجمات صاروخية في البحار    عدن.. نادي قضاة اليمن يدعو لإصلاح القضاء ويطالب بإعادة هيكلة مجلس القضاء الأعلى    السامعي يحذر من التعامل مع "معجب" ويؤكد أنه غير مكلف من قناة الساحات    متداول.. تعيين قيادات عسكرية في مناصب بوزارة الدفاع    شركة الغاز تتخذ إجراءات لضمان استقرار الإمدادات خلال شهر رمضان المبارك    1,5 مليار ريال عُماني مكاسب القيمة السوقية لبورصة مسقط في يناير الجاري    وزير التربية يفتتح المعرض 2 لأولمبياد العلوم والتكنولوجيا 1447ه    عن الموت والسفير والزمن الجميل    الدولار يتجه لتكبد خسائر للأسبوع الثاني على التوالي    انفجار في جنوب إيران والحرس الثوري ينفي مقتل قائد عسكري رفيع    جامعة الحديدة تكرم الفائزين بجائزة رئيسها للنشر الأكاديمي    القائم بأعمال وزير الاقتصاد يزور معرض الشهر الكريم الاستهلاكي بالأمانة    الاحتفاء بتكريم 55 حافظا ومجازا في القرآن الكريم بمأرب    أسعار الذهب تتراجع بشكل حاد في اسواق اليمن خلال 24 ساعة (مقارنة بين صنعاء وعدن)    استشهاد 25 فلسطينيا وعشرات المصابين بهجمات "غير مسبوقة" منذ الهدنة    برشلونة يُجدد عقد فيرمين لوبيز حتى 2031    الرئيس المشاط يعزي في وفاة محمد غالب الصبري    ضخ كميات من العملة المزورة وتحذيرات من كارثة اقتصادية في عدن    قراءة تحليلية لنص أحمد سيف حاشد «قات وأجبان»    اعتراف رسمي ومخيف: اليمن يواجه واحدة من أخطر أزمات الفاقد التعليمي في تاريخه الحديث    صنعاء: صورة تحبس الانفاس .. ماذا يعمل هذا الرجل في هذا المكان الشاهق؟    شأن مهني!!    جمعية الخير التنموية بمأرب تكرّم المعلمين والطلاب المتفوقين    دراسة صينية: الروبوتات تنجح في إجراء جراحات عن بعد لمسافة 2800 كلم    الإقلاع عن التدخين والسيطرة على التوتر أبرز وسائل حماية القلب    بطلة "باب الحارة".. مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي داخل منزلها بدمشق    الاتحاد الإنكليزي يعاقب توتنهام واستون فيلا بعد شجار الكأس    برشلونة يوقع اتفاقاً تاريخياً مع مستثمرين من الامارات    بطالة ثقافية    اتحاد كرة القدم يرشح شعب حضرموت لبطولة التضامن الدولية بجيبوتي    صندوق النظافة بتعز يدشن حملة ميدانية للتخلص من الكلاب المسعورة في شوارع المدينة    المحامي رالف شربل يقود النجم الأميركي جوردان ويليامز لانتصار كبير أمام محكمة البات السويسرية    {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}    عرفنا أبين وشباب الجيل ينجحان في البقاء بدوري الدرجة الثانية في ختام منافسات البطولة    الصماد أنموذج العطاء والولاء    وحدة الصف روحها المبدأ والتضحية    علماء اليمن من صعدة: الدفاع عن القرآن ونصرة فلسطين واجب ديني وأخلاقي جامع    ارتفاع مخيف للاصابات بمرض الحصبة خلال عام.. وابين تتصدر المحافظات اليمنية    فقه الكهف: استراتيجية الثبات وصناعة اليقين في زمن المتغيرات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في الذكرى السابعة لرحيل الشاعر ‘‘أبوبكر باسحيم‘‘ ... ‘‘مرحلة الشعر الرمزي‘‘ (الجزء الأول)
نشر في شبوه برس يوم 03 - 06 - 2018

قرية على ساحل أبين، وأهلها صيادين. لهم رقصاتهم وأهمها رقصة (الدحيف) ومن أشهر شعراء الدخيف "أبوبكر عبدالله باسحيم" ، وهناك شعراء غيره مثل سالم خير وإبن صالح علي الذين يُتغنى من شعرهما في بعض الرقصات.
الذكرى السابعة لرحيل عميد شعراء الدحيف الشاعر الكبير أبوبكر عبدالله باسحيم رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
( 3 يونيو 2011م / 3 - يونيو - 2018م )
مرحلة الشعر الرمزي
إن شعر أبي بكر باسحيم في هذه المرحلة (مرحلة عودته الى البحر مرغماً) قد أصبح أزهى وأجمل وأعمق حيث ينتقل الشاعر من استخدام لغة الخطابية والمباشرة والتصفيق العفوي التي ميزت شعره في مرحلة العفوية الثورية كما رأينا آنفا ويتخلص من ذلك الأسلوب التقريري الهتافي صائرا ومتحولا عن هذا الأسلوب الى فضاءات الرمزية بما تقتضيه هذه الانتقالة من استخدام لغة الإيماء والرمز ، وماتشتمل عليه من عمق وحكمة وفطنة وإشراق، وجاء الحزن والتذمر لينسج هذا الشعر بالنسيج الحقيقي للإبداع الناتج عن المعاناة ، وينفحه بنكهة المشترك الوجداني للأنا الجمعية ، وبغض النظر حول مضمون المحتوى الشعري ، إن كان المرء متفقاً مع رؤية الشاعر او مختلفاً معه في بعض التفاصيل إلا أنه لا يملك سوى أن يتعاطف معه، ويشعر به وبأنينه لاسيما أن هذا الشعر جاء مستوفياً شروط الجمال والروعة والإبداع والحذق..
فانظر إليه كيف أصبح يعبر عن تذمره من الوضع الكائن سياسياً حينذاك وحنينه الى أيامه الأولى التي انتهت برحيل رمزه الثوري في يونيو 1978م :
ورى الليلة الدنيا عليها ضباب
وابليس لا قلت كلمة شلها من لساني
ولا سرت في الدحقة سفاني تراب
مغمض العين لا رأ حد ولا حد يراني
وشمس المغيضة مختفي في السحاب
كم لي ترجّاش يا شمس المغيضة تباني
كُتُب لي التعاسة والشقاء والعذاب
وآنا اسعد الناس زين الخلق زاكي المعاني
شجّعَوني على السرقة ويد الطِّلاب
ما كان ذه عادتي ولا صفات اليماني
بعدما راح معصور الطرف والشناب
غذاي بالرطل وآنا كنت درّج جواني
وقد فرضت عليه ظروف المرحلة الجديدة أن يتكلم بالرمز حيث كانت السلطة لاتسمح ولاتتسامح مع أي صوت معارض أو منتقد، ولكنه الرمز الذي يشيع في داخل المتلقي معرفة مضاعفة ويوسع مساحة الوعي والإحساس بأنين الشاعر وهمّه ومعاناته التي هي في كثير من الأحيان مشتركة بطريقة أو بأخرى مع هم ومعاناة المجموع :
والمنيحة علينا قد كلوها الذياب
والراعية عامدة المعزوب تلعب هداني
يا كريم العطاء تفتح لنا مية باب
با فك بابي وبسمع صاحبي لا دعاني
عاد لي قلب ينبض من نبيض الشباب
حتى ولا الشيب داهمني وداهم مكاني
وهكذا يستمر متذمراً محبطاً ساخطاً من انقلاب الزمن ، وجفوة الواقع الذي أصبح يرفضه بعد أن صار الرمز عنصراً فعالاً من عناصر بنائه وتشييده، ويستخدم في هذا الرفض حذاقته الشعرية التي كان من أبرز دعائمها فيقول في قصيدة ( عنبرية) موظفاً اسم حارته السكنية (كود عنبر) معادلاً رمزياً للوطن او بالأصح الشطر الذي كان يسمى وطناً حينذآك :
زَوَّجوا " العنبرية" زوج ما ترغبه
هل با تكون العلاقة بينهم مستطيبة؟
وذي ما تحب الزوج با تتعبه
ون جاب ماجاب ماشي تبصره ذي يجيبه
زوج ماحد سبق حبه ولا جرّبه
وقام بوها يزوّجها جعل له مصيبة
خطّروها بيضة ليلة المحجبة
كوى لبن عمها وكبشها في الزريبة
لا مقطّر ولا يدّات متخضّبة
وثوب لا عطر له يرْوَح ولا شُم طيبه
وفي قصيدة "نصيحة" يقول مستخدماً نفس الرمز :
رَوّحوا " العنبرية" خازية مستليم
مترددة من زواجة " باخرش" مستحيّه
قلت : يازوج هذا من طباع الحريم
أصبر عليها وخلّيك الأذى والأذية
قال : سوَّت .. وسوَّت قلت : وَلْدة غشيم
ما سوَّته يعتبر في الغشم ما هوه خطية
ون تبا لك نصيحة صدق من باسحيم
حسّن سلوكك مع ام البنت والكوبرية
قال: با شاور العاصي وعبدالكريم
قلت: ذولا معك ساعة وساعة معيّه
قال: والحل؟ قلت: الحل أعمد فهيم
هذي نصيحة ونا وش همّني وش عليّه
كما يقول أيضاً في قصيدة " بنت بوعنبر" في نفس السياق :
مريضة بنت بوعنبر ومعديّة
وهذا الملف يحمل لها تقرير
كواها المصعبي كيّة ورا كية
ولكنه فشل في الكي والتجبير
وكل ما حين قالت آح ذا بيّه
تعبتوها عسى لا سى لبوكم خير
ومن بعد الفشل قالوا الحرامية
بها سيّد سقاها المحو والتسحير
وهيه للآن لا ميّت ولا حيّة
وذه ليّام في الإنعاش والتخدير
ونا بيدي الدواء لو يسمحوا ليّه
ويعطوني أمان الله في التعبير
لقد اختار الباسحيم الرمز المناسب تماماً لإيصال ما يريد التعبير عنه من موقف الى الناس في قصائد مرحلته الثانية هذه المعجونة بالتذمر والسخط والحزن، فهو لم يستخدم المرأة بالمطلق رمزاً كما جرت العادة عند الشعراء غيره بل خص وحدد ، وكان مبدعاً ومتميزاً في هذا التخصيص والتحديد، فعندما يكون قاصداً بالمرأة " الوطن" يختار لها صفة الشباب كما يختار لها انتماء قريباً منه، فيجعلها " عنبرية" نسبة الى حارته السكنية" كود عنبر" بشقرة وهي محاذية تماماً لساحل بحر العرب كما تحاذي المحافظات الست التي كان الوطن حينها يتكون منها ساحل ذلك البحر من عدن الى لمهرة، كما يجعلها مثلما رأينا إما" مكرهة على الزواج أو " مريضة" بينما يختار لنفسه صفة " ابن العم" الجاهز للزواج منها :
خطروها بيضة ليلة المحجبة
كوى لبن عمها وكبشها في الزريبة
أو صفة القادر على علاج وجعها لو منح الفرصة :
ونا بيدي الدواء لو يسمحوا ليّه
ويعطوني أمان الله في التعبير
ويريد الشاعر بهذا الاختيار المجازي الرمزي الإيحاء للمتلقي بأن الوطن قد أصبح في وضعه السائد منذ ذلك الحين يعيش تحت وطأة اللاشرعية والفشل رغم شبابه...
أما عندما يريد الشاعر استخدام رمز المرأة قاصداً بها السلطة أو قوى النفوذ المسيطرة فإنه يبقي للرمز صفة الشباب ولكنه يختار له اسماً بعيداً عنه فمرة يختار الكنية " بنت سالم" عام 1989م:
مريضة بنت سالم والمرض مزمن
تنصّفها وخلّاها كما المشلول
زقر من حيث ما يوجع وما يحزن
عليها عرقل السيرة ونطق القول
حد عشر عام تتوجّح وتتونون
ولا تختر تداركها ولامسئول
ومرة يختار لها اسم علم ( سميرة) :
يا سميرة ورى وجهش كساه الدبور؟
لا عطر يرْوح ولا ذاكه الثياب النظيفة
أنا كنت زوجش بالوفاء والسرور
مستور مجبور وانتي العاقلة والشريفة
وأيضا يقول :
يا سميرة مكانش ماسكة بوحجر
وناذقة بابننا مولى البداة النويرة
لومتش يا سميرة لومتش في عمر
ذي أمس حبّش وشل الحالية والمريرة
وكذلك:
يا سميرة ثيابش بال فيها البسم
ماشي معش خير من بعد البسم يا سميرة
وجسمش نحل والرأس كله ورم
وحالتش حال وابنش في الحياة الضريرة
وبعد المربّى أكّلونش كدم
وبقل كله مشوّك من طراف المطيرة
وين ذاك الصبا والوجه ذي هوه زخم
والثوب ذي يرتوح من عنبرش لا مسيرة؟
ويريد الشاعر أن يوحي بهذا الترميز للسلطة أنها غير ذات انتماء لهذه الأرض وبالتالي فهي منقطعة الجذور عن المجتمع الذي تحكمه ومشلولة ومشؤومة وغدارة وملطخة بالنجاسة والسوء ..
أما عندما يكون قاصداً برمز المرأة القوى الخارجية الدخلية والاستعمارية، فإنه يختار لهذه المرأة/ الرمز صفة العجوز النحس الطامعة دون أن يعيّن لها اسماً محدداً على اعتبار تنوع طبيعة التدخل والاستعمار مع أنه يقصد بالتحديد الاستعمار البريطاني ثم ما تلاه من تدخل سوفيتي في جنوب اليمن كما في قصيدة " ضاق بي الحال" 1980م :
فرحنا بذي شلّت براضيلها
لكنها جات ثاني يوم عودة دخيلة
وحلّت وسوّت ذي يحامي لها
واتمسّكت في سلب حُمّة وشيخ القبيلة
بعدها الأرض ما بانت محاصيلها
ما اسمع بجلجل ولا بيني الرعيّة تكيله
والمراكب قبالي صبحها ليلها
ما عاد خلّت لنا حتى خصار العويلة
كلما جيت بذلحها وباكيلها
خايف يقع حد من اصحابي معاها وكيله
واختياره لهذا الترميز والوصف للايحاء ببشاعة وقبح القوتين الدخيلتين خصوصاً الثانية " السوفيتيه" التي لم تبق شيئاً فضلاً عن أنها قد استطاعت أن تحمي تدخلها وسيطرتها بمن كان يفترض منهم أن يكونوا أول من يتصدى للتدخل والسيطرة الأجنبية تلك وأكثر الناس عنية بالدفاع عن السيادة وخيرات الأرض (( اقصد السلطة الوطنية التي حكمت البلاد بعد الاستقلال)).
ولكن الشاعر باسحيم رغم هذا الإحباط والحزن والتذمر الواضح الذي خيم على شعره في مرحلة عودته الى البحر والذي استخدم الرمز للتعبير عنه في شعره السياسي خاصة لم يتغير شغفه وحبه وتشبثه بالوطن وتربته وناسه الحقيقيين ، وقضاياه الكبرى والايجابية وبقي وفياً ومحباً ومخلصاً لهذا الشغف والحب متغنياً به بفرح وإصرار ويرفض مقايضته بأي شيء مهما غلا ومهما نفس، فارتباطه بالوطن التربة والبحر وتشبثه بهما يتوضح في موقف من الهجرة / الفراق/ الهروب/ الثراء كما في قوله:
وقتي الزين وأيام الصبا قد رحل
وعند ( لصحاب) مالي رونقة واعتمادي
يرجموني يبوني سير خلي المحل
وآنا مولّع بهذي الأرض شُعباً ووادي
با بلادي ولو كُل من حجار الجبل
واشرب من البحر ما با فارقش يا بلادي
عادني من بلادي ما دخلني الملل
وعادني عيش رغم الفقر راضي وهادي
ون عطوني السعودية وأربع دول
ما هي بعيني كما شقرة وقاسم عبادي
وكذلك قوله في قصيدة " بشراك بالسعد" عام 1981م:
قالوا الناس هاجر شل متاعك وشد
حيث الملايين ذي يتبادلوها التجارة
لاقد السعد في المهجر جعل لي الرمد
في العين لا رأ السعودية ولا رأ الإمارة
بأكُل الحيد بشرب بحر مالح أُدد
خير من شخص في الغربة قليل اعتباره
أيش باجيب لا هاجرت أربع بند
أوعشرة آلاف أو بابور جيبه كتارة
عشت صياد شاركت النَّجر والحَدد
نهار طارت من جبال القطيبي شرارة
وقوله كذلك في قصيدة ( الزمان العفن) عام 1983م:
لمن أشتكي حالي وسرّي لمن ؟
يمين بالله متنازل شبر عن سؤالي
وباسايرك ياذا الزمان العفن
أمّا أنا بدّلك وإلا تحصّل بدالي
وتصعب على الجيرة وفرق الوطن
وإلا عزمت السفر مع طوال الدقالي
أما الناس الحقيقيون لديه .. الأهل والأصحاب والبسطاء ورفاق الموقف فان ارتباطه وتشبثه بهم يتوضح دائماً في التحيات الاستهلالية التي يبدأ بها مساجلاته الشعرية وكذا في شعره الاجتماعي الحكيم الذي يمتلئ بأريج المحبة والاحتفاء بأصدقاء وجدانه ومريدية ومن مثل هذا قوله:
سلامي يعم الناس ما خّص حد
إن قلت مخصوص خايف كل كلمة تلاني
ذا صهيري وذا مني ولي في البلد
بتوسّله لا سقط دربي عليّه ركاني
وذا خزنة اسراري عليه اعتمد
وبيح له سر حالي من صروف ألزماني
وذا لي سند يا بخت من له سند
سند.. سند ما يباشي القاع حتى يلاني
وذا لا برق بارق وراعد رعد
أبتالها والبقر يصبح بها لا مكاني
سرى الليل با دخّن بعنبر وند
ذي حبّهم حد في اليسرى وحد في يماني
وقوله كذلك:
سلامي بكاذيها مع فُلّها
لهل العنية ولا شي عندهم شيخ حارة
جيت با الجبر والدنيا لمن شلها
ماحد مروّح من الدنيا سوى ثوب كارة
جبركم خير ليّه من عدن كلها
ومن المعلا وذي فيها السكك والتجارة
عادكم وسط قلبي حل من حلّها
وذكركم في لساني ليل والّا نهاره
والمحبة الصحيحة باينة في أهلها
مانا كما البعض يا احمد ذي يحبّوا فجارة
كما يتوضح موقفه المتفاعل مع قضايا الوطن في أشعاره التي قالها في مناسبات وطنية مبهجة للوطن مثل" الاستفتاء على الدستور الوحدوي":-
نعم قولها سبعين مرة نعم
بدون تكليف دعني قولها باختياري
نعم للشرائع والخلق والقيم
ذي في انتظاره سنة كامل وهوه في انتظاري
نعم أيها الدستور هذا القلم
وقعت باسمي وباسم اهلي وبيتي وجاري
قسم من يحرّف فيك كلمة قسم
لشعل شرارة وخلّي الكل يشعل بناري
وكذا موقفه واستبشاره بخروج النفط لأول مرة في اليمن :-
بشروا بنت " بوعنبر" بأول ولد
كم لي وكم للزمن أمّه ونا في انتظاره
دخوله دخول الخير لهل البلد
هوه با يقوم العمل وبا يشيد العمارة
محرم علينا النوم ليلة ولد
كله تكلم وحتى البيت كلم جداره
يا سعيدة ومن ساير سعيدة سعد
بشراك بالسعد والجرح التحم بالبخارة
يا حلى سوّي العُصفر وسوُي الهُرد
واتكحّلي عوّضيني بالتعب والخسارة
وكذلك مناسبات وطنية واجتماعية أخرى ظل وجدان الباسحيم متفاعلاً معها رغم حالة الأنين والتذمر والإحباط التي اتسمت بها مرحلته الشعرية الثانية هذه مما يعطي الدلالة بأن انتقال شعره من العفوية الثورية المشبعة بالحماس والخطابية الى فضاءات الرمزية المحتشدة بالسخط والنقد القاسي لم يكن يعني أبداً بالنسبة للشاعر الباسحيم الانسحاب من أفراح وقضايا وعبق الوطن وناسه الحقيقيين بل كان موقفاً فنياً وسياسياً موجهاً مباشرة ضد سلطة الوضع المستجد وتعبيراً عن الذات الحالمة التي شعرت بالصدمة الوجدانية منذ يونيو 1978م ... هذه الذات التي هي ذات الباسحيم أولاً ثم ذات المجتمع بشكل عام ثانياً..
وكما شع هذا الشعر بالحزن وأشرق بالرمزية فإنه قد امتاز ايضاً بانسيابية وروعة عباراته وقوة السبك وإجادة توظيف تعبيرات البيئة الشعبية الساخرة لتصوير الواقع المادي والوجداني الذي أراد الشاعر نقده والتبرم منه كما امتاز بجمال الاستعارة وسحر الأسلوب البياني بشكل عام والغنائية وحذق الصياغة الشعرية وعمق المعنى وترصيعه بالحكمة إضافة الى اعتماده على اللفظة الرشيقة الموحية ذات الدلالة النفسية والوجدانية المكثفة والرونق البنائي الزاهي..
إن شعر الشاعر الكبير أبي بكر باسحيم في هذه المرحلة ( مرحلة عودته الى البحر) يصلح لأن يكون اختزالاً فنياً وجمالياً لصورة الإبداع الشعري الشعبي الحقيقي في اليمن، وعلى وجه الخصوص الشعر الشعبي الموضوعي في المرحلة التاريخية التي يعاصرها تماماً كما قد كان شعر مرحلة العنفوان والعفوية الثورية صالحاً لأن يكون اختزلاً فنياً وجمالياً لصورة تلك المرحلة السابقة التي تناولناها سلفا ولعلّي لهذا السبب بعينه ركزت التناول/ الاستعراض الذي يشارف نهايته على تتبع شعره الموضوعي الذي كان بالفعل مميزاً ومرتبطاً مباشرة بحياته كما هو في نفس الوقت مرتبط بحياة الوطن ويمثل كذلك الصوت العالي والطاغي على ما سواه في تجربته الشعرية وموروثة الإبداعي من دون أن يعني ذلك أن الباسحيم لم يبرع في مواضيع شعره الأخرى والغزل أبرزها إذ أن للباسحيم قصائد كثيرة رائعة في هذا الموضوع سيجدها القارئ في ديوانه ( حارس الجنة) الصادر عن اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين في العام الماضي (2004) والذي سيجد فيه القارئ صورة مثلى للإبداع والأدب الشعبي العامي .
وأخيراً أسال الله التوفيق وأتضرع إليه كي يمن على الشاعر الكبير المبدع الفنان أبي بكر باسحيم بالرحمة والمغفرة ويسكنه فسيح جناته
واختم هذه الإطلالة بقول الشاعر الباسحيم الذي يرثى فيه نفسه ويشكو حالته في أواخر حياته :
من بصرني من الحبّان جنّب وحَد
ما لي ارى الوقت عياب والخلان قدهم شواني؟
فزّع الناس وجهي بالتعب والنكد
لا سابني الموت للعيش ما خلّيتني يا زماني
يا سقى يوم كان الوجه كاذي وند
معدوم في السوق كله يدوّر لي وكله يباني
* مصادر ومراجع الموضوع:
1-الدندنات والبحر.. كتابات في التراث الشعبي: محمد بن ناصر العولقي،إصدار اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين ومركز عبادي للنشر صنعا..
2-شعر دان الدحيف.. تراث مدينة شقرة : كتيب من إصدار منتدى شقرة الثقافي 2003م.
3-من رياض القمندان.. كتيب مسحوب على آلة الاستنسل إصدار مكتب الثقافة وفرع اتحاد الأدباء في أبين بمناسبة مهرجان القمندان.
4-حارس الجنة: ديوان شعر للشاعر أبي بكر باسحيم إصدار اتحاد الأدباء ومركز عبادي صنعاء 2004م.
5-رواة شعبيون ، وشعراء دحيف من أبين منهم: أحمد عبادي، محسن باعديل، أحمد ناصر جابر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.