رئيس الإصلاح يهنئ خادم الحرمين وولي عهده بذكرى تأسيس المملكة ويشيد بدعمهما لليمن    السعودية تندد بتصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل    حزب الله ينعي 8 من مقاتليه في العدوان الصهيوني على لبنان    -3 تحت الصفر: توقعات تسجيل ادنى درجة حرارة فجرا .. بهذه المناطق؟    الفريق السامعي يدين العدوان الاسرائيلي المتواصل على لبنان    استفادة 11 ألف أسرة من المطابخ والمخابز الخيرية بمديرية آزال بأمانة العاصمة    ذمار.. تدشين مشروع المطعم الخيري الرمضاني ل 2500 أسرة فقيرة    مليشيا الحوثي تنهب مخصصات دار الحبيشي للأيتام في إب    هؤلاء الأطفال الجرحى سيقودون مقاومة مسلحة ضد الاحتلال اليمني إذا بقي على أرض الجنوب عند بلوغهم سن الشباب    احتلال وابتزاز.. سلطات اليمن تمارس أقذر أشكال العقاب الجماعي ضد الجنوب    بهدف قاتل.. أوساسونا يهزم ريال مدريد (2-1) في الليغا    توزيع سلال غذائية في سقطرى بدعم سعودي    صنعاء: لحظة حاسمة في شارع خولان .. وبشرى سارة لاهالي حي السنينة!    ملتقى أبناء حزم العدين يكرم حافظات للقرآن وأوائل الحلقات في مخيمات النزوح بمأرب    الحديدة.. حادث سير مروع يودي بحياة شخصين احتراقًا    نص المحاضرة الرمضانية الرابعة لقائد الثورة 1447ه    السعودية تدين تصريحات هاكابي وتصفها ب"سابقة خطيرة" من مسؤول أميركي    الصحة العالمية: أوقفوا استهداف المستشفيات في السودان فوراً    نبيل هائل يدشن سلسلة اللقاءات التشاورية مع موظفي المجموعة    الهيئة العامة للزكاة تطلق مشاريع إحسان بقيمة 26 مليار ريال    هيئة المواصفات تطلق حملة رمضانية لحماية المستهلك    انفجار عبوة ناسفة يستهدف طقماً عسكرياً في سيئون    فريمكس) التابعة لمجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه تستحوذ على 60% من أسهم (جلف نيو كير) في السعودية    بموجة تدفق جديدة.. وصول 120 مهاجرا أفريقيا لسواحل محافظة شبوة    عدن.. قوة مشتركة تنفذ حملة مداهمات وتعتقل عناصر محسوبة على الانتقالي    هدية مجلس العليمي وأتباعه للصائمين في الجنوب.. أزمة غاز تضرب كل بيت ووسيلة نقل    الارصاد: إستمرار تأثير الكتلة الهوائية الباردة على أجزاء واسعة من المرتفعات والهضاب والصحارى    مصادر: نقاش واسع حول استحداث محافظة جديدة جنوب اليمن    استهداف طقم عسكري بعبوة ناسفة في وادي حضرموت    مركز الأمل يعلن تسجيل 1967 إصابة جديدة بالسرطان في تعز خلال 2025م    كلاسيكو السعودية.. الهلال يواجه الاتحاد    بشكل مفاجئ.. نيمار يعلن عن موعد اعتزاله كرة القدم    بنك الدواء يستقبل قرابة 300 حالة لمرضى القلب والضغط    عدن على صفيح ساخن... أين موقف ممثلي الجنوب أبوزرعة والصبيحي في مجلس القيادة؟    قرعة بطولة أوسان الرمضانية تجمع شباب اليمن في مصر بمجموعتين قويتين ومواجهات مرتقبة في الافتتاح    الحالمي يتفقد جرحى أعمال القمع والتنكيل التي استهدفت الوقفة الاحتجاجية السلمية بالعاصمة عدن    مركز الغسيل الكلوي بإب يتسلّم أكبر محطة غسيل كلوي    من عدن.. رئيس الحكومة يحدد أولويات المرحلة ويطلق مسار التعافي الاقتصادي    مرايا الوحي - (المحاضرة الرمضانية - 3) للسيد القائد    صنعاء.. جمعية الصرافين تعمم إعادة التعامل مع منشأة صرافة    بين تراجع سعر الصرف وارتفاع الأسعار.. مواطنون يشكون فجوة السوق في رمضان    المنتخب الوطني الأول يدشن معسكره الداخلي استعداد للجولة الأخيرة لتصفيات آسيا    استعدادا لمواجهة لبنان.. استدعاء 30 لاعبا لقائمة المنتخب الوطني الأول للبدء بمعسكر داخلي    فنانون عالميون يطالبون مهرجان برلين بموقف ضد جرائم "إسرائيل" في غزة    حركة سفر نشطة.. أكثر من 438 ألف مسافر عبر المنافذ المختلفة منذ مطلع فبراير    تسجيل أكثر من 14 ألف إصابة بمرض الملاريا في تعز خلال 2025    إرشادات صحية لمرضى السكري تضمن صيامًا آمنًا في رمضان    باحث في الآثار: تهريب نحو 23 ألف قطعة أثرية يمنية خلال سنوات الحرب    سوء فهم أم عجز أكاديمي خليجي؟    دوري أبطال آسيا الثاني: النصر السعودي يتقدم للدور ربع النهائي    تكدس سيارات المسافرين في منفذ الوديعة الحدودي    دوري ابطال اوروبا: كلوب بروج يقتنص تعادل مثير بمواجهة اتلتيكو مدريد    الثور مقطوع الذنب "الذيل".. والإخوان المسلمون    رمضان في اليمن.. موائد جماعية وروح تكافل متوارثة    المجلس العالي للدولة في السلطنة القعيطية يرفض إعفاء العلامة بن سميط ويؤكد ثقته بكفاءته وخدمته لأهالي شبام    آثار اليمن تُهرَّب عبر البحر... والمتاحف التي تعرضها تجني آلاف الدولارات    أفق لا يخص أحداً    التضامن مع حاشد شهادة على الوفاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من ارشيف الذاكرة (7)
نشر في يمنات يوم 02 - 05 - 2016


جانب من المعاناة والمواقف الطريفة
(16)
عندما لا تجد قيمة قبر أو كفن يكون الكفر
ظلت ترافقني في الجامعة رغبة القراءة بصوت عالي حتى بلغت حد الاستحواذ.. صارت طبعا يتملكني ولا أستطيع الفكاك منه، ولا أكتفي بهذا بل احتاج أيضا لبني آدم يستمع لحديثي عند المذاكرة، وزائد على هذا وذاك أحتاج من يناقشني ويسألني..
كان زملائي محمد قاسم أسعد من ردفان وعبيد صالح وصالح القُمّلي من الشعيب وعبدالاله مشهور من يافع وقائد حسن حزام من المعلا ومحمد ربيع عميران من القلوعة آنس لهم وأستمتع بمجيئهم إلى البيت للمذاكرة، وأحيانا يملني أحدهم أو يتمرد فاستعيض عنه بآخر وعندما يقرفني الجميع أو يتمردون ألوذ بخالتي ..
كانت خالتي تستمع لي وأنا أشرح لها دروسي وأتحدث إليها وعمّا قاله ماركس ولينين وأنجلس وهي "الأمِّية " صبورة وطويلة البال.. كان النعاس يداهم عيون خالتي في كل حين وهي جالسة تستمع لي، ومن أجل أن اجعلها يقضه أطلب منها أن تردد ما أقول مرة ومرتين وثلاث لتشتد وتندمج معي ومع ما أقرأ.. كنت أشعر أنني أتنازعها مع النعاس والنوم وعلى نحو مرهق ومُلِح حتى صرت أجيد في فترة لاحقه إدارة الاشتباك مع النوم.. آه كم كانت خالتي هذه صبورة وطيبة وودودة..
خالتي سعيدة كانت سعادتها قليلة في واقع ثقيل لمن هو قليل الحيلة.. كانت خالتي ملاذا لي في القرية، حال ما أهرب من الضيق والجحيم.. كانت صبورة وعندما يكظمها الغيض "تتزمل" وكان الزامل تنفيسا عن المعاناة وإشغال للذات عن النكد حال ما يحاصرها فتجد في الزامل عبورا إلى عالم مختلف تحاصر هي فيه النكد بدلا من أن يحاصرها..
خالتي بعد فقدت ابنها وعائلها وضعت نفسي في خدمتها وأصطحبتها مع أولاد أخي إلى عدن وعشنا مع بعض وعندما ذهبت إلى صنعاء اصطحبتها معي.. عشنا الحالي والمر معا.. شبعنا وجوعنا معا.. أكلنا الروتي والبصل بل وأحيانا الروتي والبسباس.. جاري منصر الواحدي هو من كان يعلم فقط ببعض ظروفي الخاصة.. سماني "أحمد بصله" بسبب اعتمادي على البصل كوجبة رئيسيه تمنحنا البقاء والحياة.. أختي سامية أيضا مريضة عندي وتحتاج إلى علاج مستمر ومتابعه عند الطبيب.. كنت أعيش أنا وخالتي وبنى أخي واثنتين أو ثلاث من أخواتي وأخي وزوجتي وابني فادي وابنتي سناء.. كنت أشدد عليهم بأن لا أريد صوت حاجة يخرج من الباب وإن متنا طوى.. كنت الصمت المكابر في زمن الفاقة والجوع..
كنت لا أملك ما أسعف به ابني فادي الذي كان يعاني من الربو.. كنت أستدين من جاري منصر أو جاري الآخر علي فضل وأسابق الموت عندما أسعفه إلى المستشفى.. كنت لا أستطيع توفير قيمة الحليب.. بعت ال "دبلة" وفيها الحرف الأول لاسمي واسم زوجتي لتوفير الحليب لأبني البكر..
مرضت خالتي حتى اصيبت بقرحة الفراش.. تكالب عليها المرض.. لا أملك ثمن العلاج، طلبت من زميلي عبد الملك العرشي يحضر لمعاينتها وكان قد عمل مساعد طبيب في المستشفى العسكري.. طلب شراء قربة لتركيبها.. تصرفت واشتريت "قربة".. تفاجأت أن خالتي لم تحرك يدها وهو يغرز الإبرة في يدها ليركب لها "الدريب" شاهدت دمعتين تنساح من عيون خالتي.. يا إلهي .. إنها دموع الفراق الأبدي .. أخبرني صديقي أنها خالصة والأمل ضعيف.. دقائق قليلة وفاضت روحها بصمت موحش.. لم أتوقع أن تغادرنا بهذا الهدوء.. أنسلت إلى العالم الآخر بخفة وكأنها لا تريد إزعاجنا.. خرس شل لساني ودموعي تنساب بصمت يقتلني.. يا إلهي لا أملك قيمة قبر ولا كفن..
نعم .. عندما ماتت خالتي في صنعاء لم أكن أملك قيمة قبر ثلاثة آلاف ريال ولا قيمة كفن.. أذكر أن جاري منصر الواحدي جنوبي هو من كان يعلم بظروفي وهو من ساعدني في تكفينها وقبرها.. عندما لا تجد قبرا أو كفن يكون الكُفر ملاذ.
قبرناها في صنعاء جوار عتيقه.. لا أدري من هي عتيقه.. فقط اسمها مكتوب على قبرها.. تأملت في اسم عتيقه كثيرا لعل يوما أبحث عن قبر خالتي ولم أجده .. لعل اسم عتيقه هو من سيكون دليلي وخصوصا أن خالتي لا اسم فوق قبرها ولا علامة.. عتيقه جارة خالتي في الأرض السفلى ودليلي إليها فوق الأرض طالما لا زلت حياً لعل يوما أبحث عن قبرها لأهديها بقايا دموع لم تجف بعد..
رحلت عن قبرها وتمنيت لها طيب الاقامة والجوار في مجاهيل صنعاء وقبورها.. عدت إلى البيت وجاء بعض الجيران يريدون "مجابرتي" .. أذكر أنني ثرت في داخلي وكظمت غيضي وبديت كأنني شجرة في وجه عاصفة من الغضب.. لا أريد غير أن أعود إلى أدراجي بصمت.. لا أريد أن أتحدث لأي أحد .. أبلغت جاري منصر الواحدي ليبلغهم أنني لا أريد مجابرة.. يتصرف هو معهم.. وفي العشاء سندبر قيمة "نعنع" نوزعها عقب صلاة العشاء لروحها الطاهرة..
(17)
نظرية الدولة والقانون
الأستاذ حامد كان يدرّسنا مادة نظرية الدولة والقانون.. كانت من أهم المواد الدراسية في سنة أولى كلية الحقوق.. كان الأستاذ حامد فاهما وحازما وجادا وبخيلا جداً في منح الدرجات..
كان أول اختبار حقيقي صادماً في نتائجه للجميع.. تم إعلان النتائج بالقاعة.. أكبر نتيجة تم حيازتها كان سبعة من عشرة.. حُزناها قلة قليلة لا نتعدى الأربعة أو الخمسة طلاب.. لا أذكر إن كانت بيننا طالبة أم لا.. من حاز على السبع علامات من عشر كان يشار له بالبنان..
كنّا نسمع الصفر في القاعة كثيرا، وكانت الدهشة والاستعجاب تعلو الوجوه مع كل إعلان نتيجة طالب.. كانت درجة الصفر أكثر ما تكرر سماعها ثم الواحد والاثنين والثلاثة.. كان من يحصل على خمسة علامات من عشرة يقول اللهما لك الحمد والشكر.. كانت نتائج الطالبات في أغلبها متدنية بسبب الحفظ من الكرّاس.. أعطت هذه النتائج ملمح للمتفوقين في الدفعة..
كانت رسالة الأستاذ حامد من هذه النتيجة هو أقرأوا من خارج الكُرّاس.. الدرس في الكراس مجرد عناوين.. لم تمنح السبع علامات إلا لمن قرأ المراجع وأجاد الجواب.. شعرنا أن الجامعة شيء مختلف.. شعرنا أن هذا الاختبار كان أول وأعظم اختبار عرفناه وعرفنا فيه قيمة الجامعة وماذا يعني التعليم الجامعي.
كانت لنا مع هذا الاستاذ القدير عدد من الطرائف ففي أحد "السيمنارات" النقاش.. كان صديقي وزميلي قائد حسن حزام إذا تم سؤاله من قبل الأستاذ يستطرد زميلي قائد في الجواب ويسهب.. لا يعجبه أن يقطف الجواب مباشرة بل يبدأ من وعادها نطفة ولا يصل للجواب إلا بعد الولادة.. سأل الأستاذ زميلنا في إحدى المرات عن المرحلة الشيوعية، فبدأ زميلنا بالجواب والتسلسل من المرحلة المشاعية وهذا يعني أن جوابه سيعبر العبودية والاقطاعية والاشتراكية ولا يصل إلى الشوعية إلا بعد حين طويل وإن استعجل سيصل إلى الجواب المطلوب آخر النهار.. ففاجأنا الأستاذ حامد وأستأذن من الطلبة ليذهب إلى الشيخ عثمان، وأبلغنا أنه عندما يوصل زميلنا المرحلة الشيوعية نتصل به ليأتي يكمل السمنار ههههههههه لقد فقشنا من الضحك..
و كان عندما يسأل الأستاذ حامد زميلنا قائد سؤال نترقب الجواب ونحبس أنفاسنا حتى لا ننفجر ضحكا أو نتذكر السالفة السابقة حالما كاد الاستاذ يغادر القاعة حتى يكمل صديقنا جواب السؤال.
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1023380877753764&set=pcb.1023382821086903&type=3&theater
الصور لبعض الزملاء في الجامعة.. الصورة الثنائية مع الصديق العزيز جدا والمؤتمن قائد حسن حزام.. كان محل ثقتي كلها.. كان رجل محل ثقة في الأمانة إلى أبعد الحدود.. القاضي قائد من أنبل وأروع أصدقائي..
الصورة الرباعية من يمنيها الأول باشقير من حضرموت وأنا الثاني والثالث محمد عبده من شعب والرابع محمد صالح من يافع.
صورة الثمانية من يمنيها.. الجاثيين: الأول قائد حسن حزام من المعلا ويليه صالح القملي من الضالع وعبد الرب من يافع وسهيل من التواهي.
والقائمين من يمنها: محمد عبده من شعب ويحيى الشعيبي سبق الحديث عنه وعبده طه من المضاربة ومحمد منصور من يافع..
جميع أصدقائي كانوا رائعين..
(18)
مادة الإنجليزي كانت هي الكساح
مادة الإنجليزي كانت هي خيبتي الكبيرة التي رافقتني طوال دراستي الاعدادية والثانوية ومرحلة مقررها في سنوات دراستي الجامعية.. كانت هي المادة الوحيدة التي أشعر بالقلق ينتابني في مواجهتها منذ الصباح الباكر، ويستغرقني الإحراج وأنا أحضر درسها.. المادة الوحيدة التي ليس لدي فيها ما أقوله.. كنت أشعر بالعك والاكتئاب لمجرد أن أتذكرها.. طيلة سنوات دراستها كنت عاثرا وكسيحاً فيها، وفي الجامعة شاركني هذا الكساح زميلي وصديقي عبيد صالح..
كنت أشتاق لكل المساقات الدراسية وأحرص أن أكون في الصف الأول دوما، ولكن إذا ما أتت مادة الإنجليزي كنت أنتقل إلى الصف الأخير في الفصل.. كنّا نلتقي دوما أنا وزميلي عبيد آخر الصف في مادة الإنجليزي.. كنا نحاول الاختباء من نظرة الأستاذ أو الأستاذة خلف رؤوس زملائنا الذين يجلسون قبلنا في الصفوف..
في إحدى المرات كان زميلي عبيد يحاول مثلي يخبئ رأسه خلف الرؤوس، فأدرك الأستاذ ما يفعله صديقي.. كان اذا مال رأس عبيد يسارا مال معه رأس الأستاذ ويقول له "نعم أنت" ويوجه له السؤال.. ولكنه بدلا من أن يجيب على سؤال الأستاذ يميل عبيد رأسه إلى اليمين فيميل الأستاذ إلى اليمين ويجعله تحت ناظريه، ويقول له مرة ثانية "نعم أنت.. أنت"، فلم يبقِ لزميلي عبيد إلا أن يحاول يطأطئ رأسه في الوسط والانحناء برأسه إلى الأسفل، فيقف الأستاذ على أطراف أصابعه ويحدده بيديه فيفقد زميلي كل حيلته ثم يقول للأستاذ: مش أنا يا أستاذ هذا صاحبي الذي بجانبي ويشير إليّ فقرح الطلاب بالقهقهة..
كان يلتبس على زميلي عبيد حروف "السي" و "الإس" فيسألني لأنجده عندما يسأله الاستاذ، ولكن بدلا من أن أساعده في التمييز بينهما أشيره بأنه "آر" فينفجر بالضحك منهم في الجوار من الزملاء..
كان بعض الطلاب في كل حصة إنجليزي ينتظرون ما يأتي منّا ليضحكوا.. كان كل منّا أحيانا أشبه بالممثل الإنجليزي "مستر بن" في أدواره الصامتة وما ننطقه كان كوميديا كاملة تضحك الجميع..
طلبت مني مدرِّسة الانجليزي أن أدخل كلمة سؤال على مفردة أختارها.. طارت الكلمات من رأسي تحت هلع مباغتتها لي بالسؤال.. وفجأة تذكرت كلمة "سليب" وحاولت أركّب سؤال ليصير: أين تنامين؟! فضحك الجميع وأولهم المعلِّمة.. أما زميلي عبيد فلم يريد أن يفجر مفاجأة أكبر فألتمس منها طلب عندما سألته وهو يحاول يطل من نافذة جانبه تطل على الميدان في الجوار وقال: يا أستاذة في الحصة حقك مستعد أن أحمل كيس ملح وأظل احمله وأجري حول الميدان حتى تكملي ساعة حصتك ولا تسأليني، فقرح الجميع بالضحك.. كنا في كل حصة ينتظرنا بعض الزملاء ماذا سنقول إن تم سؤالنا ليقهقهوا فيما كنا نحن طيلة الحصة نسأل الله السلامة.. السلامة فقط طول وقت الدرس ولا نسأل غيرها..
كنّا أوفيا أنا وزميلي عبيد لبعض حتى يوم امتحان هذه المادة.. كان جلوسنا يوم الامتحان مع بعض جنبا إلى جنب يثير فضول زملاءنا.. كان الأمر محل غرابة.. كنت أستخدم في الإجابة على أسئلة قطعة القراءة البحث على الكلمات في السؤال ثم أبحث عن الكلمات المشابهة لها في القطعة وأعرف أنه الجواب.. ثم أكتب الاجابة من النقطة إلى النقطة..
كنت اعتمد على المقارنة والحدس عند الإجابة.. وأحيانا أشعر وأنا أبحث عن إجابة أنني أشبه بالأعمى الذي يعتمد على عصاه في البحث عن الطريق.. وأحيانا كنت اعتمد على شجاعة صديقي عبيد فأنا لطالما خانتني شجاعتي وخجلي.. وعندما يمر الوقت المخصص للامتحان ويمنح المدرس أو المدرِّسة خمس دقائق اضافية أكتب أي شيء ولا أترك سؤال إلا وكتبت إجابه لا يفهمها لا عربي ولا إنجليزي .. كان خطي في الإنجليزي جميلا وكنت اكتب حروف انجليزي وأرابط الحروف ولا يستطع أحد فهم معناها ولا أعرف معاناها حتى أنا، وأدرك مليّا أن الأستاذ أيضا لن يفهم معناها، ولكن كنت أعتقد أنه سيحدِّث نفسه أن هذا الطالب له شرف محاولة الإجابة.. المهم بالنسبة لي أن أحاول أن لا أرد سؤال دون أن أكتب له جواب أو أكتب أي شيء.. وفي المحصلة لا نسعى أنا وصديقي إلا أن نحصد نصف الدرجة وهي النجاح بالكاد.. أذكر أحد المرات كانت درجاتي في الإنجليزي 26 من 50 قلت في نفسي أن الدرجة الزائدة للإجابة التي اكتبها ولا أحد يفهم معناها ولا تعدو غير شرف المحاولة إن لم تكن طلاسم تجلب مقبول النجاح.
أنا وزميلي عبيد يسار الصورة
"19"
البحث المغامر مجد يخذله المجتمع
كانت مادة مناهج البحث العلمي من أهم المواد التي كنت شغوف بها.. كنت أشعر أنها تضيف لي معارف محل احتياج واستخدام.. كنت أذهب إلى مكتبة الكلية ولا تقتصر قراءتي على المقرر والمراجع الذي يوصي بقراءتها أستاذ المادة، بل كنت أقرأ أيضا في مناهج البحث ما هو خارج عن هذا وذاك..
كنت أشعر أن مناهج البحث هي المقدمة الضرورية من أجل أن تكون باحثا محترما ومقتدرا ومفيدا للعلم والمجتمع ..
كانت درجاتي في هذا المساق نهاية العام لم تتعد أربعه من خمسة، ومع ذلك ليس من السهل أن تحصد أو بالأحرى تنتزع مثل هذه النتيجة عند أستاذ هذه المادة د. أحمد زين عيدروس.
ليس الأستاذ حامد وحده البخيل في اعطاء الدرجات بل أن جل الاساتذة حريصون على منح الدرجات لطلابهم بما يوازي ما يبذل من جد واجتهاد يبلغ أحيانا حد المشقة.. لا يمنحوا الدرجات إلا لمن يستحق وبعد جهد جهيد.
الدكتور أحمد زين عيدروس كان لديه فلسفة أن المؤلف هو من يتم منحه خمسة على خمسة أما الدكتور الذي يدرِّسها لطلابه فيستحق أربعة من خمسة، أمّا الطالب فلا يجب أن يمنح أكثر من ثلاثة، ولكن مع ذلك كان أستاذنا إذا ما وجد أن طالبه ملمَّا ومجتهدا وقارئا باستفاضة يعطيه أربع درجات أي جيد جدا وهي درجة نعتبرها وكذا الأستاذ أنها درجة بعيدة المنال ولا يبلغها الطالب إلا بطلوع الروح.
لا زلت أذكر كلام أستاذ مناهج البحث وهو يحثنا على أنه إذا ما أراد أحدنا البحث فيلزم الحياد والموضوعية والتجرد ووجوب رمي كل القناعات والتصورات المسبقة إلى الخلف ولا يستدير.
وإجمالا أفادني إلى حد بعيد ما قرأته في مناهج البحث في الجامعة لاحقا في بحثي في معهد القضاء العالي والذي كان عنوانه "اشتراط النسب القرشي في الولاية العامة" ثم طورته ليصير بعنوان "الصراع السياسي في صدر الإسلام واشتراط النسب القرشي في الولاية العامة"
في هذا البحث بذلت جهدا جهيدا وضافيا وأنجزته بمثابرة واجتهاد متواصل أستمر أكثر من عام، ورغم ذلك أراد أحد المناقشين المشبعين بثقافة الإخوان المسلمين أن يفشلني في هذا البحث وثارت ثائرته يوم مناقشته وكأن مسه شيء من جنون، ولكنني عبرت هذا المانع بوجود الدكتور صادق شائف والدكتور أحمد شرف الدين.
عرضت البحث في وقت لاحق على الدكتور أبو بكر السقاف وكان معجبا به وألمح إليه ثلاث مرات في كتاباته وحثني أكثر من مرة على نشره وقد أحجمت على نشره في واقع مجتمعي متخلف ونظام قانوني سائد أكثر تخلفاً.. ومع ذلك لا زال في الوقت بقية وربما أنشره في مدى منظور على نفس طريقة "من أرشيف الذاكرة" على صفحة الفيسبوك..
للاشتراك في قناة موقع "يمنات" على التليجرام انقر هنا


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.