قبل سنوات، قرأت في كتاب- أظن أن كاتبه هو الدكتور عبدالسلام العجيلي- أن رجال دين نصارى في مدينة فرنسية عرضوا على مجموعة من رجال الدين المسلمين، هناك، مبنى لكنيسة قديمة، لكي يحولوها إلى مسجد، ورحَّب المسلمون بالمبادرة التي قدمها النصارى من تلقاء أنفسهم، وأحدثوا بعض التعديلات في ذلك المبنى ليصبح مسجداً.. لا أظن أن شيئاً قد بقى من تلك الروح المتسامحة، ولا أشك في ترحيب رجال الدين المسيحيين بالتطرف الإسلامي في الغرب، لأنهم يجدون فيه مبرراً لهم لرفع الحمية المسيحية، وزيادة تدخل الكنيسة في الشئون الدنيوية، وقد قيل إن للكنيسة تأثير في حركة "بيجيدا"، أو "أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب"، المعروفة، وهي حركة جديدة تناضل من أجل إبقاء أوروبا مسيحية، وأوروبا علمانية، معاَ، وتطالب الوافدين المسلمين بترك أوروبا والعودة إلى بلدانهم.. وعلى الرغم من أن الحكومات الأوروبية لا تستجيب لمطالب هذه الحركة، فإنها في الوقت نفسه لا تحظر أنشطتها، ولا يمكنها ذلك، الأمر الذي يسمح بتعاظم "بيجيدا"، وتحولها إلى قوة مؤثرة في قرارات الحكومات في المستقبل.. ولا يستطيع المسلمون تحاشي هذا الخطر إلا بالتزام واجباتهم كمواطنين أوروبيين، وعدم السماح للمتطرفين المسلمين بالتأثير فيهم، فمن غير المقبول أن تنافس من أجل التمتع بحياة كريمة في فرنسا مثلاً، وفي الوقت نفسه تعمل من أجل الإضرار بفرنسا والفرنسيين. ينبغي الاعتراف أن صعود التطرف المسيحي، أو حتى التطرف العلماني في الغرب، خلال السنوات والأشهر الأخيرة، هو شكل من أشكال ردود الفعل على التطرف الإسلامي.. في سبعينيات القرن الماضي تخلى رجال دين مسيحيون عن كنيسة لكي تتحول إلى مسجد، وهناك أمثلة أخرى كثيرة مشابهة، لكن شيئاً من هذا لم يعد قائماً اليوم، بل عكسه تماماً، فمسلمون ومصالح إسلامية كالمساجد في فرنسا، صارت هدفاً للمتعصبين والمتذمرين بسبب أفعال الإرهابيين المسلمين، وليس في فرنسا فحسب، بل في دول أوروبية مثل ألمانيا، ومن وقت إلى آخر في السويد، والنرويج، وهولندا، وبريطانيا.. وحدث هذا بقدر أكبر ليس بسبب التطرف الإسلامي في الغرب، بل وخارجه، خاصة بعد تدمير "داعش" الكنائس في سوريا والعراق.. وفي الجهة الأخرى من الغرب، وهي الولاياتالمتحدةالأمريكية، الأمر ليس مختلفاً، لدرجة أن قسيساً أراد تنظيم مهرجان لحرق نسخ من القرآن، ومنذ أكتوبر الماضي، جعلت سيدة الأعمال "جين مورغان"، شركة بيع البنادق والمسدسات التي تملكها في أركنساس، "منطقة خالية من المسلمين"، حيث لا تقبل أن يكون من بين زبائنها أي مسلم.