تحليل: العميد الركن دكتور حسن حسين الرصابي/ بينما تنشغل مراكز الدراسات العسكرية بإحصاء الأساطيل والمدمرات وأجنحة الطائرات ورؤوس الصواريخ، وتتبع تصريحات السياسيين، تدور خلف "الشاشات المظلمة" حرب الوجود الرقمي. في صراع القوى المعاصر، لم يعد الانتصار حليفاً لمن يملك الزناد الأسرع فحسب، بل لمن يهيمن على "كلمة الفصل" في الكود البرمجي؛ ذلك المفتاح السيادي الذي يمنح المصنّع الأصلي حق "الإماتة الرقمية" للمنظومات عن بُعد. الجدار الناري والغموض التقني تؤكد المعطيات الراهنة أن طهران قد تجاوزت مربع الارتهان للتقنيات الغربية، واتجهت نحو "التحصين الشامل" عبر استبدال النواة البرمجية لمنظوماتها بأكواد شرقية (صينية وروسية) مفتوحة المصدر، محصنة بخوارزميات "كمومية" (Quantum Cryptography). هذا الانتقال أدى إلى إيصاد "الأبواب الخلفية" التي كانت المراهنات الاستخباراتية الأمريكية الإسرائيلية تعول عليها لاختراق الدفاعات الجوية الإيرانية. وبفضل تقنيات "اختطاف الإشارة" والحروب الإلكترونية المتقدمة، لم يعد الاشتباك مجرد صراع بين صاروخ ومنصة، بل تحول إلى صراع إرادات بين خوارزميات هجومية وأخرى دفاعية، قادرة على إعادة برمجة إحداثيات الهدف في كبد السماء. المفاجأة النوعية: سلاح "السيادة الوطنية" إن ما يثير قلق الدوائر العسكرية الغربية اليوم ليس فقط ما هو "معلن"، بل ما هو "مُدّخر". تشير القراءات التحليلية إلى أن إيران قد تفاجئ الخصوم بأسلحة نوعية مصنعة محلياً بنسبة 100%، ذات فعالية تدميرية وتقنية عالية، تم تطويرها بعيداً عن أعين الرقابة الدولية. هذه الأسلحة، التي صُممت خصيصاً لحفظ سيادة الأرض وحماية المنشآت الحيوية، هي "الصندوق الأسود" الذي دفع القادة العسكريين في المعسكر المقابل إلى التوصية ب "التريث"، والاستمرار في الحرب النفسية، وفتح المجال للمساعي الحميدة، مع زيادة حشد القوى والوسائل؛ لإعطاء وقت كافٍ لأجهزة المخابرات لتقدير الموقف بدقة قبل تحديد زمن الضربة. إن هذا "الغموض التسليحي" هو الذي يفرض اليوم معادلة ردع جديدة وغير متكافئة. بين الرهان على الحليف والاعتماد على الذات يبقى السؤال الوجودي مطروحاً: هل يمكن الوثوق بالشرق في مواجهة الغرب؟ في عالم السياسة الواقعية، "الأمن الذي يُشترى.. يُباع". لكن القيادة العسكرية الإيرانية، بإدراكها لتقلبات "حلفاء الضرورة"، لم تكتفِ بالتركيب الجاهز. هناك جيش صامت من المبرمجين والمهندسين يعملون على "الهندسة العكسية" وإعادة كتابة الأجزاء الحساسة في البرمجيات والعتاد العسكري بمدادٍ وطني خالص. إنهم يسابقون الزمن لضمان أن تكون "كلمة الفصل" مكتوبة محلياً، (لا شرقية ولا غربية)، لقطع الطريق على أي "خيانة رقمية" قد تُعرض المنظومات ل "النوم العميق" في لحظة الصفر. الخلاصة التحليلية إيران اليوم تخوض مواجهة ب "تكتيك الغموض الرقمي والنوعي". هي تدرك أن سماءها ليست مجرد فضاء، بل هي "مختبر سيادي"؛ فإما أن تثبت الكفاءة الوطنية قدرتها على حماية كودها وسلاحها، أو أن تجد المنطقة نفسها أمام مشهد جيوسياسي جديد تماماً. في ليلة الحسم، لن يكون البطل هو من يضغط على الزناد فحسب، بل هو المبرمج والقائد الذي يمتلك حق كتابة "كلمة الفصل" التي تُحيد تكنولوجيا العدو وتُسقط رهاناته.