يروي التاريخ السياسي لحركات التحرر دروسًا قاسية لا تُقرأ في البيانات ولا تُختصر في الشعارات، بل تُفهم من السلوك اليومي للقيادات، ومن نمط حياتها، ومن علاقتها بالمال والترف والامتيازات. ومن بين أكثر تلك الدروس وضوحًا ما جرى خلال مفاوضات باريس بين الولاياتالمتحدةالأمريكية والثوار الفيتناميين في ذروة الحرب. عندما قررت واشنطن فتح باب التفاوض مع الثوار الفيتناميين بعد خسائر بشرية فادحة في صفوف جنودها، دعتهم لإرسال وفد إلى باريس. جهزت المخابرات الأمريكية إقامة فاخرة للوفد في أرقى فنادق العاصمة الفرنسية، وهيأت كل وسائل الراحة والرفاهية، في محاولة ناعمة لاختبار النفوس قبل اختبار المواقف.
غير أن الوفد الفيتنامي، المكون من امرأتين ورجلين، فاجأ الجانب الأمريكي منذ لحظة وصوله إلى المطار، حين رفض ركوب السيارات المعدّة لنقله إلى مقر الإقامة، وأبلغهم بأنه سيغادر بطريقته الخاصة وسيحضر المفاوضات في موعدها. وعندما سأل رئيس الوفد الأمريكي عن مكان الإقامة، جاء الرد صادمًا: سنقيم عند طالب فيتنامي في أحد ضواحي باريس.
حاول الأمريكيون إقناعهم بالإقامة في الفندق المخصص لهم، لكن رئيس الوفد الفيتنامي قال عبارته التي تحولت لاحقًا إلى درس سياسي خالد: نحن قاتلناكم في الجبال، نمنا على الصخور، وأكلنا الحشائش. إذا تغيّرت طبيعتنا اليوم نخشى أن تتغير معها ضمائرنا. دعونا وشأننا.
بهذا الوعي الأخلاقي خاض الوفد المفاوضات التي انتهت بجلاء الاحتلال الأمريكي عن كامل فيتنام، دون أن يساوم على الكرامة أو يبدد روح الثورة في فنادق الخمس نجوم.
وفي موقف آخر أكثر دلالة، رفض الوفد الفيتنامي مصافحة الوفد الأمريكي في أحد اللقاءات، وقال كبيرهم بوضوح: لا نزال أعداء، ولم يخولنا شعبنا مصافحتكم. من يبيع ضميره يبيع وطنه.
هذه الروح الصارمة لم تكن استثناءً عابرًا، بل كانت قاعدة أخلاقية راسخة في مدرسة الثورة الفيتنامية. ويكفي أن نستحضر زيارة الجنرال فو نغوين جياب، أحد أبرز قادة الثورة الفيتنامية، إلى عاصمة عربية في سبعينات القرن الماضي، حيث كانت تنشط فصائل فلسطينية ثورية آنذاك.
حين شاهد جياب مظاهر البذخ التي يعيشها بعض قادة تلك الفصائل، من سيارات فارهة وسيجار كوبي وبدل إيطالية فاخرة وعطور فرنسية باهظة، قارن ذلك بحياته وحياة رفاقه في غابات فيتنام، حيث التقشف والانضباط والتضحية. لم يجامل ولم يوارب، بل قال لهم مباشرة: لن تنتصر ثورتكم.
وعندما سألوه عن السبب، جاءت إجابته حاسمة: لأن الثورة والثروة لا تلتقيان. الثورة التي لا يقودها الوعي تتحول إلى إرهاب، والثورة التي يغدق عليها المال يتحول قادتها إلى لصوص. وإذا رأيت من يدعي الثورة ويسكن القصور ويعيش في الترف، بينما شعبه في المخيمات ينتظر المساعدات الدولية للبقاء على قيد الحياة، فاعلم أن تلك القيادة لا تريد تغيير الواقع، فكيف تنتصر ثورة لا تريد قيادتها أن تنتصر.
هذه ليست حكايات للتسلية ولا نوستالجيا ثورية، بل معيار أخلاقي وسياسي يصلح لكل زمان ومكان. فالثورات لا تُهزم فقط بالقوة العسكرية، بل تُهزم قبل ذلك حين تُغوى قياداتها بالمال والترف، وتفقد البوصلة، وتتحول من مشروع تحرر إلى مشروع امتيازات.