نشرت صحيفة "ذا كريدل" الأمريكية مقالاً مطولاً تناولت فيه تحوّل الخلاف السعودي–الإماراتي من تنافس خفي إلى صدام سياسي وإعلامي مفتوح، تقوده الرياض بهدف تقليص النفوذ الإقليمي لأبوظبي وإعادة ضبط موازين القوة في الخليج، دون السعي لإسقاط حكمها. مؤكدةً أن في ديسمبر 2022، قال محمد بن سلمان في لقاء جمعه مع صحفيين محليين: "الإمارات طعنتنا في الظهر.. سيرون ما يمكنني فعله.. سيكون الأمر أسوأ مما فعلته بقطر. ويبدو أن حاكم السعودية الفعلي، وملكها المقبل، ينفّذ تهديده اليوم. مشيرةً إلى أنه ما بدأ كصداقة في رحلة تخييم وصيد في صحراء السعودية مع مطلع عام 2016 بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، تطور إلى تشابك في الرؤى والمصالح حول ملفات عدة في المنطقة، من اليمن إلى القرن الأفريقي، وصولاً إلى العلاقة مع إيران ودول محور المقاومة. وقالت الصحيفة في مقالها إن الماكينة الاعلامية أطلقت نيرانها، فخلال الأيام الماضية، تواصلت الحرب الإعلامية والسياسية بين السعودية والإمارات عبر الصحف والقنوات الفضائية والمحللين والشخصيات القريبة من دوائر القرار، وانعكس ذلك في تبادل التهم والشائن على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ما كشف عمق الخلافات وحساسية ملفاتها. حيث كتب رئيس تحرير إندبندنت عربية عضوان الأحمري: كانت السعودية القوة السياسية والإعلامية لأبوظبي خلال السنوات الماضية، ظنًا منها أنها تحالفت مع شريك صادق، لكنها اكتشفت منذ 2018 أن الإمارات تخطط وتتآمر. الصبر نفد وسُحب الغطاء، فانكشفت العورة وظهر الهزال". فضائح بالجملة وأكدت الصحيفة أنه كما حصل خلال أزمة قطر، تفجرت اليوم فضائح بالجملة ضد الإمارات بعد صمت طويل، ضمن سردية محددة. الاتجاه الأول ركّز على تصوير الإمارات كراعٍ أول للمشروع الإسرائيلي في المنطقة، وكمكون يهدد أمن الخليج. استُخدمت تصريحات علي النعيمي في الكنيست الإسرائيلي كدليل مركزي، حين قدم اتفاقية التطبيع كمشروع لتغيير المنطقة وتهديد الأمن الإقليمي، وسط إشادة إسرائيلية مباشرة. ودعّمت الصورة بوثائق عن تجنيس مستشارين من الشاباك لتعزيز الأمن الإماراتي، وإطلاق خطط لتسخير قواعد عسكرية في جنوبالبحر الأحمر "اليمن، إريتريا، الصومال" لدعم إسرائيل عسكريًا ولوجستيًا في عدوان غزة. وفي الملف اليمني، كشفت مصادر سعودية أن أبوظبي منذ 2015 عمدت إلى إضعاف القوة الجوية في قاعدة العند عبر إخفاء سرب كامل من طائرات "سوخوي" الروسية ومنع صيانتها، ما جعل معظمها خارج الخدمة، ضمن استراتيجية ممنهجة للسيطرة والتخريب، فيما انتشرت مشاهد من سجون الإمارات السرية. وأضافت "ذا كريدل" أن التدخل الإماراتي لم يتوقف عند هذا الحد، إذ كشف عن المنظومات الإسرائيلية في سقطرى، تُدار من الفجيرة وقاعدة بربرة بالصومال، بما يشمل مجسات غاطسة لرصد البصمة الصوتية للسفن، ومعدات مراقبة متنكرة تحت أجهزة أرصاد جوية مدنية في جبل مومي ورأس قطينان، لرصد حركة السفن والدول الإقليمية والدولية، بما فيها السعودية وتركيا وباكستان والصين. أما الاتجاه الثاني، فركّز على تصوير الإمارات كقوة معادية للإسلام والمسلمين، من خلال تسريبات عن تمويل حملات أوروبية لإغلاق المساجد وتشويه المؤسسات الإسلامية، مع استهداف مساجد سنية بنت بدعم سعودي سابقًا، وربطها بالإرهاب. كما ظهرت شبكات إعلامية وأكاديمية تُدار من أبوظبي في بريطانيا وأوروبا، تنتج محتوى معادياً للإسلام، تبرر الجرائم الإسرائيلية، وتنسّق مع اليمين الأوروبي المتطرف، بما في ذلك وقف منح دراسية للطلاب المسلمين. وأوضحت الصحيفة الأمريكية إن الخلاف بين السعودية والإمارات تحول من توترات خفية إلى صراع نفوذ إقليمي متكامل يمتد من جنوباليمن إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، متقاطعًا بين الأبعاد الأمنية والسياسية والعسكرية. وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، شرعت السعودية في محاصرة الإمارات وتحجيم صورتها كتهديد للأمن الإقليمي، عبر سلسلة تحركات متدرجة. شملت هذه التحركات لقاءات واتصالات عربية مكثفة ركّزت على التعاون الأمني وإعادة ترتيب الاصطفافات الإقليمية. حيث تم حشد دعم الصومال ورفض الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، مع تفعيل منظمة التعاون الإسلامي لتوحيد المواقف ضد الإجراءات الإماراتية. وأمضت الصحيفة حديثها بالقول: امتدت المواجهة السعودية–الإماراتية إلى المجال العسكري والاستخباراتي في إفريقيا والبحر الأحمر. فبالتوازي مع تثبيت السيطرة على اليمن، ركّزت الرياض على ملاحقة النفوذ الإماراتي ضمن شبكة واسعة تشمل ميناء عصب في إريتريا، ميناء بربرة في الصومال، مطار موشا في جيبوتي، جزيرتي سقطرى وميون، قاعدة عبد الكوري وجزيرة سمحة، بالإضافة إلى قاعدة على جزيرة زقر مقابل باب المندب. وعملت السعودية عبر تنسيق ثلاثي مع مصر والصومال لإلغاء الاتفاقيات الدفاعية الإماراتية، ومراقبة الطيران لمنع وصول الإمدادات العسكرية لوكلاء أبوظبي، وفرض قيود على قوات الدعم السريع. امتدت الإجراءات إلى ليبيا والسودان، حيث فقدت الإمارات أذونات الطيران العسكري فوق مصر والسودان والسعودية، وألغت باكستان اتفاق تشغيل مطار إسلام أباد للرحلات العسكرية، ما خفض تدفق الشحن والإمدادات إلى قوات الدعم السريع السودانية إلى أدنى مستوياته منذ أيار/مايو 2025. المواجهة الاقتصادية ورأت الصحيفة إن الاشتباك السياسي والعسكري بين السعودية والإمارات إذا كان قد ظل لفترة طويلة تحت السقف، فإن المواجهة الاقتصادية خرجت إلى العلن بوصفها أداة الضغط الأخطر في يد الرياض. أولى الضربات تمثّلت في سحب تدريجي ومنهجي للأموال السعودية من الإمارات، وهي أموال تُقدَّر بنحو 26.6 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 12% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في الإمارات. هذا الرقم وحده يفسّر حساسية الخطوة، إذ لا يتعلق باستثمار هامشي، بل بكتلة رأسمالية شكّلت لعقود أحد أعمدة ازدهار السوق الإماراتية، لا سيما في العقار والخدمات والقطاع المالي. تزامن ذلك مع تهديد غير رسمي بتعليق التبادل التجاري، ما خلق حالة شلل بطيء في حركة السلع والاستثمارات. وأفادت مصادر اقتصادية بأن رجال أعمال سعوديين تلقّوا إشارات مباشرة وغير مباشرة بضرورة إعادة توطين أعمالهم داخل المملكة، في انسجام مع سياسة "المقار الإقليمية" التي تفرضها الرياض منذ سنوات، ولكن هذه المرة في سياق صدامي لا تنافسي. وبالتوازي، أُطلقت حملات منظمة تدعو إلى مقاطعة السياحة في الإمارات، وتصدّرت وسوم مثل قاطعوا_السياحة_في_الإمارات الترند وسط مشاركة واسعة من نشطاء وكتّاب وإعلاميين سعوديين. ولأن السياح السعوديين يشكّلون العمود الفقري للسياحة الإماراتية، إذ سجّلوا 1.9 مليون زائر في عام 2024، فهذا يجعل أي تراجع في هذا الرقم ضربة مباشرة لدبي وأبوظبي. وختمت الصحيفة حديثها بالقول: ما بين اللعب الاستراتيجي من الرياض، والحذر الخفي من أبوظبي، يبدو الخليج اليوم ساحة تنافس محموم لم تجرِ مثلها من قبل. الصراع يتجاوز الخلاف الثنائي ليصل إلى إعادة رسم خريطة النفوذ الإقليمي، ويطرح السؤال الأكبر: من سيحسم قيادة الخليج، ومن سيظل لاعبًا ثانويًا في هذا المشهد؟