·كنا نكتفي بقراءة كتب عن الحرية التي لا نعيشها، ثم نعود من القراءة إلى الواقع والخطوط الحمر في الصحافة والسياسة والحياة. حتى أننا تعودنا على تزوير الانتخابات والعبث بالدستور. تعودنا على غياب صحيفة "الأيام" ولم نتضامن كما ينبغي مع هشام باشراحيل وآخرين واجهوا بلطجة مبكرة. لم نتضامن بصدق مع الحراك في الجنوب ومع أهالي صعدة. وفضلنا التعايش مع الخطأ. بينما كنا نؤجل الثورة بصمتنا وانتظارنا لمكرمات الرئاسة، وآفاق الحوار المستحيل بين توم وجيري. · أكتب عن ثورة لم تكتمل بعد، لكنها لن تتوقف. و أرى أن سقف الجماهير أعلى من سقف السياسيين. لذا من المهم تنبيه زعماء الأحزاب إلى أن الشباب لا يريدون أن تختصر ثورتهم في خروج علي صالح من السلطة فقط. إذ ينبغي أن لا ترث السلطة القادمة طريقة صالح في إدارة البلاد. وتعرفون كيف كان يدير: الوحدة التي قضى عليها في حرب 94م، الجيش والأمن والوظيفة العامة، أموال الدولة والانتخابات والإعلام الحكومي، إيرادات النفط والغاز وعقود احتكار الشركات الأجنبية والمحلية، الفتن والصراعات القبلية والحروب الأهلية، ملف القاعدة والاتفاقيات السرية لمكافحة الإرهاب، تجارة وتهريب الأسلحة والمخدرات والقرصنة في المياه الإقليمية اليمنية، صفقات التسليح ومساعدات الدول المانحة. كل هذه العناوين وغيرها يجب أن يطالها التغيير بأفق وطني لكي تنجح الثورة. · يجب أيضاً أن يثق السياسيون بثورة الشعب. يجب أن يتوقفوا عن تقمص دور صاحب رأس المال الجبان. ثم إن دماء الشهداء وأنّات الجرحى ليست للبيع، ولا يمكن استثمارها في بورصة الرياض أو أبوظبي. يجب أن يعلموا أن ساحات الاعتصام لا تثق بالتفاوض حول مستقبل الثورة خارج اليمن. فلماذا نجري بحماس خلف مبادرة لم تنجح في إيقاف الاعتداءات على المظاهرات السلمية حتى الآن؟ وما الذي يمكن أن تقدمة وساطة تتبناها دول لم تكف عن قمع شعوبها؟ لماذا نرهن مصير الثورة في عواصم تؤمن بطاعة ولي الأمر ولا مكان لمفردة الثورة في قواميسها؟ ويكفي أن آخر انجازاتها التدخل الجماعي لقمع الثورة السلمية الوحيدة التي لم يؤيدها القرضاوي وقناة الجزيرة. · لقد كان زمن علي صالح ثقيلاً مثل زمن القذافي. وحين يكون الماضي ثقيلا يكون انسحابه بطيئاً، ويصعب على البعض إزاحته من الذاكرة، وربما من السلوكيات وردود الأفعال. لذا أتصور أن بطء حركة الثورة في اليمن يرتبط بهذا الماضي الذي لا يزال يحظى بمقاولين يخشون المستقبل. ذلك أن عهد صالح لم يكن مجرد زمن يقاس بالسنوات، بل بنسبة الأمية والأضرار النفسية التي لحقت بشعب يحفل تاريخه بالكبرياء والعزة والشهامة، وليس بالتبعية والخوف والذل والاحتشاد خلف المنقذ المزيف. ويمكن للماضي السيئ أن يترك في الذاكرة الجماعية مبررات مؤقتة لعرقلة أحلام شعب ومستقبل أمة. الأمر ذاته يحدث الآن في سوريا وليبيا، وهناك عواصم أخرى مرشحة للعراك مع ماض أثقل من ماضينا. · هناك أيضا المخاوف التي تخص الأفراد. إذ تجد أن فارق الشعور بالخوف هو الذي يحدد مستوى تفاعل الأشخاص مع الثورة. فكلما كان أحدنا أصغر سناً كلما كانت مخاوفه الشخصية أقل. لهذا يتصدر الشباب صفوف المظاهرات. ومن يتصدر الصفوف ليواجه الرصاص وقنابل الغاز بشجاعة، لابد أنه متخفف من أثقال العهد البائد، ولا شك أنه يعي هذه اللحظة الفارقة بدرجة أعمق من المفاوضين الكبار المثقلين بمعرفة الماضي. للتأكيد على هذا الاستنتاج يمكن ملاحظة أن معظم الشباب المعتصمين لا يعرفون على سبيل المثال من هو عبد الرقيب عبد الوهاب أو عيسى محمد سيف. لقد نضج وعي هؤلاء الشباب في عصر الفضائيات والانترنت، فتحرروا منذ البداية من أكاذيب الإعلام الرسمي، إذ لا توجد في أذهانهم صورة إيجابية عن القائد الرمز الذي يصفه المنافقون بابن اليمن البار، بل توجد صورة سلبية عن رئيس يتصف بالجهل ويعرف بخطاباته المرتبكة التي يصفق لها دوما المشائخ والأميون. لهذا ليس غريبا أن يهتف شباب الثورة بشعار مفاده أن الشعب يريد رئيساً متعلماً. · لدى هؤلاء الشجعان ذاكرة مهيأة للمستقبل. ذاكرة لا تختزن مخاوف الكبار ولا تلقي بالاً لتوجسات من يتشبثون بمايكروفون الساحة. لديهم أحلامهم التي تصطدم بجدار الواقع والإحباط الممنهج. لذا قرروا هدم هذا الجدار. ولكل شاب في ساحة التغيير أسبابه الخاصة التي تدفعه إلى الاحتجاج ضد النظام. قد تختلف الأسباب والدوافع من شاب لآخر، لكنها تشكل في النهاية حكاية شعب يتطلع إلى الحرية والكرامة، وإلى التخلص من الاستبداد الذي يخون بديهيات النظام الجمهوري. يتطلع اليمنيون كذلك إلى المساواة والتعايش في ظل دولة العدل والقانون. الدولة التي لا تحتاج إلى مدافع ودبابات في الضالع لحماية الوحدة بالقوة. فالوحدة لا يحميها البطش ولا يعزز استمرارها قتل المحتجين واعتقال من يطالبون بالحقوق المشروعة.
· لقد تعايشنا مع الخطأ ثلاثة عقود. وكان كل شخص يبتكر طرائق خاصة ليمارس حريته في زمن الثوابت، بعد أن سمحنا للديكتاتور بالتسلل إلى قائمتها. فلا تقبلوا بنصف ثورة. ولا تسمحوا لأي رئيس قادم بالمكوث في السلطة إلى أن يشعر بالسأم. لقد سئم علي صالح كرسي الحكم بالفعل، ولكن ليس عن زهد أو قناعة، بل لأنه أمضى أكثر من ثلاثة عقود دون أن يحاسبه أحد على أي قرار اتخذه، وها قد جاء وقت الحساب.