من يتوج بلقب إفريقيا ؟.. المحكمة الرياضية الدولية تحسم النزاع بين المغرب والسنغال    المكلا اليوم تكشف المستور.. الخلايا النائمة لم تعد نائمة وطرد "الغزاة" واجب وطني مقدس    ناشط حضرمي يكشف: "عنصر أمني سابق يطلق النار ثم يندس بين المتظاهرين"    أزمة غذاء تهدد الملايين بسبب الحرب بالشرق الأوسط    لماذا يُستهدف اللواء الثاني دفاع شبوة؟    الترب:اليمن بموقعه الجغرافي قادر على تغيير مسار المواجهة    زلزال الشرق الأوسط الجوي 2026: أخطر من 11 سبتمبر.. لكنه ليس كورونا The Middle East Airquake 2026: More Dangerous than 9/11... but Not COVID-19    ندوة دولية بصنعاء للتضامن مع إيران ومحور المقاومة    الانتقالي يحشد أنصاره لتصعيد شامل ضد السعودية في شبوة    قمة ساخنة بين ريال مدريد وبايرن... واختبار صعب لآرسنال في لشبونة    ضبط عصابة متخصصة بسرقة كابلات الاتصالات في همدان    في اجتماعه الأول بعدن.. مجلس ضمان الودائع يناقش تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي    محمد قحطان.. الرجل الحاضر والفكرة التي لم تغب    إبراهيم.. قصة طفل قُتل قنصاً بحقيبته المدرسية في تعز    الاستيقاظ فجراً... لماذا يحدث وكيف تعود إلى النوم؟    شبكات الظل.. كيف حوّلت مليشيا الحوثي المخدرات إلى وقود للحرب وأداة لتفكيك المجتمع؟    خطة تنفيذية للتنسيق بين منتجي ومستوردي أغذية الأطفال    رئيس الهيئة التنفيذية لتكتل الأحزاب: استمرار إخفاء قحطان انتهاك صارخ    بتوجيهات الرئيس الزُبيدي... الحالمي يكرّم البطل الجريح علوي عبدالله بدرع الصمود    إقرار مسودة المرحلة الثانية من استراتيجية توطين الصناعات الدوائية    الرئيس الزُبيدي يُعزَّي أسرتي الشهيدين عمر باحيدرة وأحمد المطحني    بمشاركة 40 فريقا.. اتحاد كرة القدم يحدد الأربعاء المقبل موعدا لقرعة كأس رئيس الجمهورية    داخلية الاحتلال الأجنبي في المكلا تلاحق 3 من قيادات انتقالي حضرموت (وثيقة)    عندما يصبح الرمز كابوسًا    الحكومة تقر إصلاحات مالية وتعتمد إنشاء الهيئة العامة لشؤون الجرحى    اليمن: خسائر قطاع السياحة تتجاوز 11 مليار دولار خلال عقد من العدوان    تراجع أسعار الذهب والفضة عالمياً مع صعود الدولار وتلاشي آمال خفض الفائدة    فيمانعاه مجلس الشورى وأشاد بجهوده الوطنية.. الرئيس المشاط يعزي في وفاة الشيخ محمد علي التويتي    استئناف افتتاح متحف الموروث الشعبي بصنعاء    الدورات الصيفية للطالبات بأمانة العاصمة تشهد إقبالا لافتاً في أسبوعها الأول    وزارة الاقتصاد تؤكد عدم رفع أسعار المياه الصحية    مرض السرطان ( 6 )    منظمة هيومن رايتس فاونديشن تدين مجزرة المكلا وتطالب بتحقيق دولي    اتحاد كرة القدم يحدد نهاية إبريل الجاري موعدا جديدا لانطلاق بطولتي كأس الجمهورية والدوري اليمني    إحباط تهريب قطع اثرية في مذيخرة    المكلا تُذبح بصمت... والرصاص يكتب فجرها الأسود    هاني مسهور: تجاهل اليمن دوليًا يفتح الباب للإفلات من العقاب.. ودعوة لتدويل قضية الجنوب    مدير عام المنصورة يناقش أوضاع وأداء مستشفى مايو الجراحي    فيسبوك تغلق صفحة الإعلامي الجنوبي غازي العلوي بعد 17 عامًا من النشاط ودون أي مبررات    خلال 3 أشهر.. الهجرة الدولية توثق نزوح 813 أسرة أغلبها استقرت في مأرب    وفاة مواطن داخل أحد سجون مليشيا الحوثي في إب وسط ظروف غامضة    مليشيا الحوثي تشطب أكثر من أربعة آلاف وكالة تجارية لإحلال بدلاء موالين لها    صوت الذاكرة: المرأة المبدعة بين الأدب المبتكر والإبداع الرقمي الثقافي مقاربة تحليلية في تحوّلات الخطاب النسوي المعاصر    المهرة مهددة بالظلام.. مشاكل قطاع الكهرباء تعود إلى الواجهة وحكومة الزنداني تقف امام اول اختبار حقيقي    اتحاد كرة القدم يتفق مع وزارة الشباب والرياضة لتأجيل موعد الدوري اليمني ومعالجة مشاكل أندية عدن وتعز    رشاد العليمي.. الرئيس اللعنة الذي أنهك الجنوب وأغرقه في الفشل.. سجل قبيح من الحرب والعداء والخبث    شيطنة الخصم حتى يستحق القتل    في زنجبار كيف أثر ابن سميط في إنجرامس قبل وصوله لحضرموت    مراثي القيامة    الخارجية الإماراتية توضح بشأن أوضاع الجالية الإيرانية    هيئة الشؤون البحرية بحضرموت: موانئ البحر العربي تمتلك مقومات التحول إلى مراكز لوجستية عالمية    عدن.. نقل عريس إلى العناية المركزة بسبب منشط جنسي    اللهم لا شماتة    إشكالية الرواية والتدوين بين قداسة النص وإشكالات النقل    البرلماني اليمني أحمد سيف حاشد يواجه المرض والحياة في الغربة وسط صمت رسمي مستمر    صنعاء : تعميم هام .. بشان صلاة العيد ..!    رسمياً.. 3 دول تفاجئ العالم باعلان الخميس أول أيام عيد الفطر    وزارة الأوقاف:الخميس متمم لشهر رمضان والجمعة أول ايام عيد الفطر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كتاب «تهافت التهافت» العلامة أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد «1-2»
توطئة بين العالمين الجليلين
نشر في الجمهورية يوم 06 - 02 - 2015

إن عرض كتاب أبي الوليد ابن رشد لا ينبغي أن يُفهم على أنه غمط لمكانة العلامة أبي حامد الغزالي رحم الله الجميع فبغداد في القرن الحادي عشر لم تكن كالأندلس بل كانت جذوة الفكر والمعرفة وقد بدأت تخبو وتختلج وتتجه اتجهات كلامية خارج مباحث العقل والفلسفة والبراهين، لهذا نجد ابن رشد رحمه الله في «التهافت» يخاطب أبا حامد بكل إجلال وإكرام ويعترف بفضله وفطنته وسعة اطّلاعه؛ وفي أكثر من موضع يقول: «قال أبوحامد رضي الله عنه، أو كما قال أبوحامد رحمه الله» مع أنه يقسو عليه أحياناً، وعنده كل الحق، بدأ بتسمية الكتاب «تهافت التهافت» بهذه التسمية، فهو نوع من التهكُّم الرصين؛ إلا أنه يجلّه، وقد اعتنى بكتابته فاختصر كتابه «المستصفى» وهو الكتاب المعروف بالضروري في أصول الفقه..
بغداد منذ القرن التاسع الميلادي اختطلت فيها الفلسفة بالزندقة والشعوبية وعلم الكلام وآراء الدهريين والمنجّمين وغلاة المتصوفين وآراء الباطنيين والقرامطة، ودخلوا في الإلهيات والماورائيات والتفاصيل الغيبية، وهذه نتيجة طبيعية للصراع الطويل الذي امتد زهاء خمسة قرون بين مدارس العقل والنقل وجرجرة العقلية الاسلامية - بكل أسف - من المباحث الطبيعية والرياضية والإنسانية والتجريبية إلى مباحث جانبية كالإلهيات والقضاء والقدر والمعاد والشريعة والعبادات ونحوها من القضايا الغيبية التي لا تنطبق عليها الماهيات الحسية ولا تدرك بالبراهين العقلية حتى أصبحت الفلسفة وكانها محكمة مفتوحة للنصوص الغيبية كما سيأتي، وكل هذه نتائج هامشية جداً وأفهام خاطئة لأطروحات حكماء اليونان، وبعضها صنعتها المماحكات بين مدرستي العقل والنقل وما رافق ذلك من تدخلات السياسيين وتصفية خصومهم من الجانبين.
لهذا نجد أبا الوليد ابن رشد في التهافت يقول مخاطباً الغزالي: «يجب على كل إنسان أن يسلّم مبادئ الشريعة وأن يقلّد فيها، ولابد الواضع لها، فإن جحدها والمناظرة فيها مبطل لوجود الإنسان ولذلك وجب قتل الزنادقة» بكل أسف يريد حد الردّة.
ومن هذه الجدليات التي أثاروها في تلك الفترة مسألة «عبادة الحكماء وعبادة العوام» فزعم بعض المشتغلين بالفلسفة والتصوف ان العبادات والشعائر والطقوس إنما هي للعوام وأما الحكماء وأهل النظر والذوق والحقائق فعبادتهم تكون بالتفكر والتأمل في ملكوت الله، لهذا نجد الغزالي يقول في تهافت الفلاسفة: «أما بعد فإنني رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميُّز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء وقد رفضوا وظائف الإسلام واستحقروا شعائر الدين واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده بفنون من الظنون» فينبري أبو الويد ابن رشد مدافعاً عن الفلاسفة وأن الفلسفة لا تبحث في قضايا الغيبيات والمسلّمات العقائدية، فيقول: «وذلك أن الفلاسفة يرون أن الإنسان لا حياة له في هذه الدار ولا في الدار الآخرة إلا بالفضائل النظرية، وأنه ولا واحد من هذين يتم ولا يبلغ إليه إلا بالفضائل الخلقية، وأن الفضائل الخلقية لا تتمكن إلا بمعرفة الله وتعظيمه بالعبادة المشروعة لهم في ملّة ملة، مثل القرابين والصلوات والأدعية، وما يشبه ذلك من الأقاويل التي تقال في الثناء على الله تعالى وعلى الملائكة والنبيين».
ويقول أيضاً: «فالذي يجب أن يقال فيها "يعني الشريعة" إن مبادئها هي أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية؛ فلابد أن يعترف بها مع جهل أسبابها؛ ولذلك لا نجد أحداً من القدماء تكلّم في المعجزات، مع انتشارها وظهورها في العالم؛ لأنها مبادئ تثبيت الشرائع والشرائع مبادئ الفضائل، ولا فيما يقال منها بعد الموت».
أبوحامد الغزالي لا يتحمّل تبعات ما حدث للفلسفة الإسلامية بعد تأليفه كتاب «تهافت الفلاسفة» كما يدّعي بعض الدارسين السطحيين للفلسفة الإسلامية وتاريخها، بل على العكس تماماً؛ من يقرأ كتاب «تهافت الفلاسفة» للغزالي بموضوعية يجد أن الرجل رغم تحامله الشديد على الفلاسفة المسلمين والحكماء اليونان وفهمه الخاطئ أحياناً لبعض ما يعنيه أرسطو لأنه قرأ الكلام مترجماً ولم يكن يجيد اللغة اليونانية كابن رشد رحمهم الله جميعاً وبالرغم أنه لا يفرق أحياناً بين كلام ابن سينا وكلام أرسطو؛ إلا أنه قد تفلسف ضمناً، فهو فيلسوف بالفطرة وأضاف أسئلة واشكالات جديدة على الحكماء وشراحهم، وكل ما أورده أبوحامد الغزالي رداً على أرسطو طاليس والفلاسفة المشائين غالباً؛ أورده فلاسفة آخرون بعضهم يونانيون متقدّمون على الغزالي زمنياً عارضوا أرسطو وأفلاطون وكذلك فلاسفة جاءوا من بعد الغزالي مثل توما الاكويني وأستاذه ألبيرتوس ماغنوس، واستخدموا نفس البراهين والحجج تقريباً رغم ان توما الاكويني نحا منحى ابن رشد في التوفيق بين الشريعة والحكمة.
كتاب الغزالي أثار كوامن الإبداع الفلسفي عند ابن رشد وبلغ به أعلى مراحل النضج العقلي والبرهاني، فنجد الفيلسوف والعلامة الفرنسي إيتان جليسون يقول: «إن العقلانية الأوروبية ولدت في اسبانيا في ذهن فيلسوف عربي "يريد ابن رشد" كردّ فعل واع على النزعة الكلامية لرجال الدين العرب يقصد الغزالي والأشاعرة».
حتى نفهم كتاب ابن رشد ونعرضه بطريقة مبسطة لابد من فهم منهجية الغزالي في «تهافت الفلاسفة» أولاً، فالغزالي كان من أذكياء العالم، وقد اعتمد منهجية خطيرة جداً في نقد الحكماء والتشويش على براهينهم العقلية، فهو يقول في الكتاب: «أنا لا أدخل عليهم إلا دخول مطالب منكر لا مدّع مثبت، فأكدر عليهم ما اعتقدوه، مقطوعاً بإلزامات مختلفة، فألزمهم تارة مذهب المعتزلة وأخرى مذهب الكرامية وطوراً مذهب الواقفية، ولا أنتهض ذاباً عن مذهب مخصوص، بل أجعل جميع الفرق إلباً واحداً عليهم» وهذا الأمر قوّى مركز كتابه وجعله مرجعاً للجميع، لهذا يقول الإمام السبكي: «جاء الغزالي والناس إلى رد فرية الفلاسفة أحوج من الظلماء لمصابيح السماء وأفقر من الجدباء إلى قطرات الماء».
ثانياً كتب كتابه «تهافت الفلاسفة» بطريقة خطابية جدلية اعتمد فيها أسلوب القصص و«الفنقلة» «فإن قالوا قلنا» بعكس الإمام ابن رشد الذي ردّ عليه بعد نحو 80 سنة تقريباً بكتاب «تهافت التهافت» الذي بين أيدينا الآن بطريقة نخبوية، واستخدم مصطلحات معقّدة وعبارات مكثفة متينة مبنية على البراهين والتجريدات الفلسفية، لهذا قبل الناس على كتاب الغزالي وعزفوا عن كتاب القاضي ابن رشد.
الإمام الغزالي افترض من البداية سوء الظن في الفلسفة والحكماء، وقبل أن يؤلّف الكتاب اتخذ موقفاً سلبياً من الفلسفة، لهذا نجد ابن رشد يتهمه تارة بعدم الفهم لأقوال الحكماء وطوراً بما نسمّيه اليوم «عدم الأمانة العلمية» وتارة بضعف البرهان وركاكة الحجة، وان كلامه «في أعلى مراتب الجدل وليس هو واصل موصل البراهين؛ لأن السبب مقدّماته عامة وليس مقدّمات ذاتية جوهرية» وأنه يأخذ من أقوال الحكماء ما يقوّي حجّته ويترك ما يدينه، وأنه قد خرج من الفلسفة إلى حيز السفسطة وأنه تناقض ووقع في التخبط، يقول: «ثم وضع كتابه المعروف "بتهافت الفلاسفة" فكفّرهم فيه في مسائل ثلاث من جهة خرقهم فيها للإجماع كما زعم، وبدعهم في مسائل، وأتى فيه بحجج مشكّكة وشبه محيّرة أضلّت كثيراً من الناس عن الحكمة والشريعة».
الغرض من تأليف الكتاب
يقول ابن رشد إن الغرض من كتابة كتابه هذا «هو تبيين مراتب الأقاويل المثبتة في كتاب "التهافت" لأبي حامد في التصديق والإقناع وقصور أكثرها عن رتبة اليقين والبرهان».
لاحظ نخبوية العبارة ورصانتها وكثافة المصطلحات الفلسفية فيها على طريقة أرسطو؛ الأمر الذي يجعلها فوق مستوى فهم القرّاء العاديين، مع أنه رحمه الله في كتابه العظيم «فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» وقد ألّفه قبل «تهافت التهافت» وعند مناقشته لمسألة التأويل؛ قسّم الناس ألى ثلاثة أقسام هم الخطابيون والجدليون والبرهانيون، أما الخطابيون فهم العوام، وهؤلاء لا يفهمون إلا اللغة الخطابية المباشرة، وأما الجدليون فهم أهل الكلام، وهم أرفع قليلاً من العوام، ثم الحكماء وهم أهل البراهين لكنه لم يستخدم هذا المنهج هنا أو أنه رحمه الله وجّه كتابه إلى النخبة والخواص، وأياً كان الأمر فقد كان ينبغي ان يستفيد الجمهور والطبقة الوسطى من القراء والمثقفين من كتابه العظيم هذا كل بقدر طاقته الاستيعابية ويكتشفوا أخطاء الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله وتحامله على الحكماء بحق وبغير حق؛ الأمر الذي أسهم فعلاً في تعطيل العقل الإسلامي وهو الأديب البارع والقادر على صياغة أشد المفاهيم تعقيداً في ابسط عبارة.
ارسطو يقسم الأقاويل المثبتة من حيث الصدق واليقين إلى اربعة اقاويل أعلاها الأقاويل البرهانية ثم الأقاويل الجدلية ثم السفسطائية ثم الخطابية والشعرية، فابوالوليد هنا يقول إن أكثر اقوال الإمام الغزالي في «التهافت» قاصرة عن رتبة اليقين والبرهان فهي لغة جدلية أو خطابية أو سفسطائية.
مباحث الكتاب
1 الرد على الغزالي واثبات ضعف حججه واقاويله وعدم فهمه لأقوال الحكماء، وأنه لم يؤلّف الكتاب لإثبات أغلاط الفلاسفة وإنما للتشويش عليهم كما قال أبوحامد نفسه في تهافت الفلاسفة وزعزعة ثقتهم بالبراهين العقلية.
يقول ابن رشد: «وأما قوله وإنما غرضنا أن نشوّش دعاواهم وقد حصل، فإنه لا يليق هذا الغرض به، وهي هفوة من هفوات العالم، فإن العالم بما هو عالم إنما قصده طلب الحق لا إيقاع الشكوك وتحيير العقول».
2 الدفاع عن فلاسفة الاسلام كأبي نصر الفاربي وابن سينا وابن وابن طفيل وتبرئتهم خصوصاً الفارابي وابن سينا من تهمة الكفر، ويبين تعسف الإمام الغزالي في تحميل كلام ابن سينا مالا يحتمل يقول: «لم ينقل ابوحامد مذهب ابن سينا على وجهه، وذلك ان الرجل لما اعتقد ان الوجود من الشيء يدل على صفة زائدة على ذاته لم يجز عنده ان تكون ذاته هي الفاعلة لوجوده في الممكن؛ لأنه لو كان كذلك لكان الشيء علة وجوده ولم يكن له فاعل» يشير إلى قول ابن سينا (ان العالَم صدر عن ذات بسيطة لا يقوم بها صفةٌ ولا فعل).
3 الدفاع عن الفلسفة وتبرئتها من الزندقة والالحاد والدهرية، وان الحكماء توصلوا بواسطة الفلسفة إلى الصانع الأول سبحانه وتعالى يقول: «فإن الحكماء من الفلاسفة ليس يجوز عندهم التكلم ولا الجدل في مبادئ الشريعة، وفاعل ذلك عندهم محتاج إلى الأدب الشديد، وكذلك الفاحص عنها والمشكك فيها يحتاج إلى عقوبة عندهم».
4 التوفيق بين الفلسفة والشريعة وإثبات ما بينهما من وشائج اتصال وتفسير براهين الحكماء وأقوالهم بما لا يصادم ظاهر الشريعة وكذلك تأويل ظاهر الشريعة بما لا يتصادم مع يقينيات الفلسفة وان الشريعة والفلسفة يبحثان عن نفس الحقيقة بأسلوبين مختلفين يوصلان الإنسان حتماً إلى ماهية الله تعالى، يقول: (والفلسفة تبحث عن كل ما جاء في الشرع، فإن أدركته استوى الإدراكان، وكان ذلك أتم في المعرفة، وإن لم تدركه أعلمت بقصور العقل الإنساني، وأن مدركه الشرع فقط).
5 جواز النظر في العلوم العقلية والفلسفية والإشتغال بها وإبطال دعوى التحريم بأدلة من التشريع الحكيم الذي يوجب إعمال العقل والنظر في الموجودات والطبائع بواسطة القياس والتحليل والبراهين والمنطق وصولاً إلى معرفة الله تعالى حالاً أو مآلاً.
6 التمييز بين الفلسفة والعلوم العقلية وآراء الزنادقة والدهريين وغلاة المتصوفة، ففي الوقت حيث يدافع عن ابن سينا والفارابي ويبرئهم من الكفر؛ نجده أحياناً يرد عليهما ويساند الغزالي، وفي أكثر من موضع يقول وهذا لم يقل به إلا ابن سينا وليس قول الحكماء وهذا تفرد به الفارابي وهو من مسائل الكلام الهجنة ومخلوطة بأقوال دهريين وسوفسطائيين وليست من الفلسفة.
7 يقرّر أبوالوليد أن ما تخوّف منه الغزالي من كون الفلسفة تشغيب على الدين واستخفاف بأحكامه وتشريعاته؛ ليس من الفلسفة وإنما من استغلال الزنادقة والدهريين للفلسفة.
8 الإشادة بفضائل الحكماء في العلوم العقلية والطبيعية والاعتذار لهم فيما أخطأوا فيه بقصد حسن وقلّة معرفة فيقول: «وهبك إذا أخطأوا في شيء فليس من الواجب أن ينكر فضلهم في النظر وما راضوا به عقولنا؛ لو لم يكن لهم إلا صناعة المنطق لكان واجباً عليه وعلى جميع من عرف مقدار هذه الصناعة شكرهم عليها».
9 يقرّر أن الحكماء قد يخطئون في جانب الإلهيات لأنهم أنما بحثوا بعقولهم وليس من خلال الوحي الإلهي المعصوم، وان اكتشافنا لأخطائهم إنما من خلال استعمال قواعدهم في المنطق والبراهين «وإن وضعنا أنهم مخطئون في أشياء من العلوم الإلهية؛ فإنا إنما نحتج على خطأهم من القوانين التي علمونا إيّاها في علومهم المنطقية، ونقطع أنهم لا يلوموننا على التوقيف على خطأ إن كان في آرائهم، فإن قصدهم إنما هو معرفة الحق، ولو لم يكن لهم إلا هذا القصد لكان ذلك كافياً في مدحهم، مع أنه لم يقل أحد من الناس في العلوم الإلهية قولاً يُعتد به، وليس يعصم أحد من الخطأ إلا من عصمه الله تعالى بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان، وهم الأنبياء، فلا أدري ما حمل هذا الرجل على مثل هذه الأقوال».
10 يقرّر ضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم وقواهم الإدراكية حتى لا يتزعزع إيمان العوام والبسطاء من الناس، ويلوم أبا حامد لأنه صرّح بالقضايا الفلسفية المثيرة للجدل أمام العامة والدهماء من الناس فيقول: «ثم جاء أبوحامد فطم الوادي على القرى؛ وذلك أنه صرّح بالحكمة كلها للجمهور وبآراء الحكماء على ما أداه إليه فهمه».
11 ينكر على الإمام الغزالي عدم الموضوعية العلمية والتجرُّد من الآراء والمواقف المسبقة فيقول: «وأما قوله إن قصده هاهنا ليس هو معرفة الحق وإنما قصده إبطال أقاويلهم وإظهار دعاواهم الباطلة، فقصد لا يليق به، بل بالذين في غاية الشر».
12 يقرّر أن للشريعة معاني ظاهرة تخاطب الجمهور من العامة والدهماء، ومعاني بعيدة تخاطب أهل البراهين والحكماء، وان لا تعارض بين الظاهر والباطن، ولا بين الحكمة والشريعة؛ لأن التأويل هو المنطقة التي تلتقي فيها لغة الخطاب ولغة البراهين والتجريدات لقول علي رضي الله عنه: «حدّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكَذَّب الله ورسوله..؟!».
في الحلقة الثانية سنبدأ عرض المسائل العشرين التي أنكرها الإمام الغزالي على الفلاسفة وكفّرهم في ثلاث مسائل منها وبدّعهم في الباقي، وكما رتّبها أبوالوليد رحم الله الجميع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.